قد يكون التوثيق هو فن تجميع أشكال سجلات النشاط الفكري وتصنيفها لتتم الإفادة منها، كما هو عبارة عن تسجيل للمعرفة البشرية ومصادر المعلومات وتنظيمها بطريقة تكفل سرعة الوصول إليها، وكذلك بث المعرفة وأوعيتها بمختلف الطرق.
فالتوثيق كما تقول صحيفة "الوطن" هو تثبيت وإحياء للمعلومات، وهو أيضاً وعاء للمعرفة وحافظ لذاكرة التاريخ والوطن والأمة، كما أنه محرض للمعرفة وخير شاهد على التاريخ.
إن التوثيق ذاكرة الشعوب والعمود الفقري لأي عمل إداري ونجاح أي مشروع أو أي دراسة يتوقف على المعلومة والبيانات التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الحفظ السليم والتوثيق العلمي المدروس.
اليوم موضوع التوثيق والأرشفة يهدف بالدرجة الأولى للحفاظ على هوية الأمة وتراثها الحضاري باعتباره زادا لمستقبل الأجيال القادمة في مواجهة الأخطار والتحديات التي تهدد تراثها وهويتها وحضارتها. إن الوثائق هي مادة مهمة للتأريخ والبحث، لذلك تعتبر الوثائق "خزائن التاريخ"، فهي مجمع للخبرات والتجارب التي لا بد من معرفتها للسير على الطريق القويم.
تقوم بعض مراكز البحوث والدراسات أو الباحثون والمهتمون من الدول العربية أو الأجنبية بإعداد دراسات حول الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو البرلماني والسياسي في سورية، وقد يستند هؤلاء الدارسون في إعدادها إلى المواقع الرسمية لمؤسساتنا على شبكة النت، وهذا يستدعي أن تكون مواقع مؤسساتنا على هذه الشبكة تحتوي على المعلومات الصحيحة الموثقة بشكل علمي مدروس وكما يقول المثل العامي (لا يخرها المي) ولكن مع الأسف الشديد فإن بعض هذه الموقع، قد أساءت لتاريخنا.!؟ من حيث المعلومات والتوثيق.!؟ وإن أردنا البحث والتدقيق في المعلومات الواردة على هذه المواقع فقد يمتلكنا العجب.!؟. ولا أعني أن بعض مؤسساتنا فشلت في إدراك أهمية شبكة النت، ونجحت في التوثيق (الورقي)، فنحن إلى الآن رغم التوجه الحكومي المعلن عن الاهتمام بالوثيقة، لم نزل نحبو ولم نزل في أول الطريق نتلمس خطواتنا الأولى.
مجلس الشعب
إن العديد من المعلومات الواردة في موقع مجلس الشعب على شبكة النت تتنافى مع الروح العلمية وتجافي الحقائق الموضوعية وتتجاهل عظمة رجالنا الذين صنعوا الاستقلال وناضلوا الانتداب الفرنسي.
في نحو عام 2000 تم لأول مرة إنشاء موقع للمجلس على شبكة النت، بمساعدة إحدى الجهات الدولية، وبعد عدة سنوات طالعتنا الصحف السورية بخبر افتتاح موقع لمجلس الشعب على شبكة الانترنت وانه ثمرة تعاون بين مجلس الشعب والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في دمشق ويهدف إلى دعم القدرة المؤسسية للمجلس في إعادة هيكلته وتأهيل وتطوير مكتبته.
كما يهدف هذا الموقع حسب الصحافة السورية آنذاك إلى تعزيز وتطوير استخدام المعلوماتية في مختلف وظائف وخدمات المجلس ودعم عمل لجانه وتعزيز دوره في خدمة أهداف التنمية إضافة لتمكين الراغبين في الحصول على معلومات حول ما صدر من تشريعات وقوانين عن مجلس الشعب في سورية منذ تأسيسه وحتى الآن، وحينها لم يقتصر الأمر على هذه الصحف بل تدخل التلفزيون السوري في مدح هذا الموقع مضيفاً: إن مكتبة المجلس على جانب من التطور.
واستبشرنا خيرا حينها، ولكن مع الأسف لم يكن هذا الكلام الدعائي يجانب الحقيقة في كل شيء، فكان الموقع يعبق بالملاحظات بل في الأخطاء.
الموقع الحديث جداً
أطلق مجلس الشعب منذ فترة موقعه الإلكتروني الجديد (للمرة الثالثة) على شبكة الانترنت، وتحدث عدد من المسؤولين في مجلس الشعب إلى وسائل الإعلام السورية عن هذا الموقع وقامت فضائية "الإخبارية السورية" ببث تقرير كامل عن الحلة الجديدة للموقع الالكتروني، وقام مجلس الشعب بتعميم ذلك على أجهزه الإعلام بموجب كتاب رسمي عنونه بـ(من الشعب وإلى الشعب).
وقال مسؤولو المجلس: إن "الغاية من الموقع الجديد هو المتابعة الجدية لكل قضايا المواطنين التي سترد للموقع مؤكداً المتابعة الحثيثة والجدية لتلك القضايا"، وان هذا الموقع "سيكون الأول من نوعه في سورية من حيث الكم المعرفي والمعلوماتي والأرشيفي".
رؤساء المجلس
لنأخذ عينة فقط من موقع (من الشعب وإلى الشعب) ولنرى العجب العجاب.!؟ في مقدمة الصفحة الرئيسية هنالك نافذة كتب عليها رؤساء المجلس، ولندخل إلى هذه النافذة فنرى أنهم اعتمدوا رؤساء المجلس منذ عام 1923م ولم يأخذوا بالحسبان الرؤساء منذ عام 1919م، ولنبدأ الحديث عن الرئيس الحالي لمجلس الشعب وفق موقع المجلس، فقد ذكر الموقع أنه من مواليد عام 1942م، على حين ذكر موقع حزب البعث العربي الاشتراكي أنه من مواليد عام 1941م، وأيضاً ذكر المرحوم الأمين العام المساعد لمجلس الشعب في كتابه الذي قدم له رئيس مجلس الشعب: إن (السيد الدكتور محمود الأبرش من مواليد ريف دمشق– الزبداني 1941) فترى أيهما الأصح، وأيضاً هو رئيس لمجلس الشعب فقط في الدور التشريعي التاسع.!؟ أما رئيس مجلس الوزراء السابق عضو مجلس الشعب المهندس محمد ناجي عطري فهو غير معروف المواليد؟ ولكنه بقدرة قادر فهو حسب موقع مجلس الشعب لم يزل إلى الآن رئيساً لمجلس الشعب وعمله السابق رئيس للوزراء؟ (العمل الحالي: رئيس مجلس الشعب، العمل السابق: رئيس مجلس الوزراء) وأيضاً لم يشارك إلا في الدور التشريعي الثامن.!؟.!؟ أما عنوان المهندس عطري فهو: (محافظ حمص- نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات) بالله عليكم ما هذا؟ إذا كانوا يخطئون في تاريخنا الحالي فما بالكم بتاريخنا الماضي.؟
أما عبد القادر قدورة فلم يزل وفق عرفهم عضواً في مجلس الشعب، ومحمود الزعبي رغم وفاته منذ سنين طويلة فهو لم يزل: (العمل الحالي: رئيس مجلس الشعب) أما رئيسا مجلس الشعب السابقان محمود حديد ومحمد علي الحلبي ورؤساء البرلمان سعيد الغزي وناظم القدسي وصبحي بركات فلم يزل عملهم الحالي جميعا: (العمل الحالي: عضو مجلس شعب) رغم من انتقل منهم منذ عشرات السنيين إلى رحمته تعالى.!؟ أما رؤساء مجلس الشعب الحاليون وفق عرف موقع (من الشعب وإلى الشعب) فهم فهمي اليوسفي، أحمد الخطيب، منصور الأطرش، أنور السادات، أكرم الحوراني، مأمون الكزبري، معروف الدواليبي، رشدي كيخيا، فارس الخوري، بديع المؤيد، تصوروا هؤلاء جميعاً عملهم الحالي رؤساء لمجلس الشعب، طبعا ولا يفرق هذا الموقع في التسميات بين مجلس نواب ومجلس نيابي وجمعية تأسيسية و.. كلهم في الهوا سوا مجلس الشعب.!؟
طبعا لم يرد ذكر لسيرة حياة هؤلاء الرجال، فهم مجهولو السيرة الذاتية، والأعجب من كل ذلك أن المتصفح لموقع مجلس الشعب يستطيع طرح أي سؤال أو إرسال أي إيميل الكتروني لأي رئيس برلمان منذ عام 1923م حتى الآن رغم وفاة أكثرهم منذ عشرات السنين، فمثلا الايميل الإلكتروني لرئيس مجلس النواب فارس الخوري المتوفى منذ نحو الخمسين عاماً هو fares. khori@parliament. sy أما ايميل أكرم الحوراني المتوفى منذ نحو الخمسة عشر عاماً فهوakram. horani@parliament. sy، وأيضاً الحوراني رغم وفاته فهو عضو مجلس الشعب في الدور التشريعي التاسع. من خلال موقع مجلس الشعب تستطيعون التواصل عن طريق الايميلات مع كل رؤساء البرلمانات سورية الأحياء منهم والأموات.!؟ ويبدو هذا الأمر من الانجازات الخارقة للعاملين على الموقع، والتطوير الذي اعتمد في أجندتهم.!؟
كفى
بالأمس قالوا جلسه "الوطن والمواطن"، واليوم يقولون موقع "من الشعب وإلى الشعب".!؟ وغدا اللـه اعلم ما الجديد.!؟ إن ما يدعيه محررو الموقع من اختراعهم لزاوية أو نافذة خدمة المواطن، شيء اقل من عادي ومتوافر حتى في المواقع الشخصية، أما قولهم "سيكون الأول من نوعه في سورية من حيث الكم المعرفي والمعلوماتي والأرشيفي" فهذا الكلام غير دقيق فالموقع إلى هذه اللحظة هو نسخة طبق الأصل عن الموقع السابق مع بعض التعديلات الطفيفة، ومن ثم فهو موقع عادي جداً من حيث المعلومات، وغير عادي لأن هذه المعلومات يلزمها إعادة تقويم، إضافة إلى أن اغلب الزوايا "النوافذ" لم تفعّل بعد، فأعلن عن إطلاق الموقع دون أن يكون جاهزا مئة بالمئة.
التوثيق سلاحنا
التوثيق الذي نؤمن به هو سلاحنا الفكري الذي يجب علينا إتقان استخدامه، لأن الكلمة الموثقة الصادقة هي الصورة الحقيقية والشهادة الحقيقية التي لا يمكن نكرانها، فالمعلومة الصحيحة الموثقة تؤكد الحق، والكلمة المكتوبة هي سر التاريخ وسر الخلود، والكلمة المكتوبة هي التاريخ وهي الوثيقة ورابط الإنسان الأهم بوطنه وتاريخه وهذا ما يجعلنا نسعى ونطالب ونعمل من أجل التوثيق الذي يعتبر أحد أسلحتنا التي نشهرها بقوة في سبيل الدفاع عن وجودنا وحضارتنا.
التوثيق ذاكرة الوطن والأمة التي لا تعرف ماضيها لا يمكن لها أن تبني مستقبلها وسورية بحدودها الطبيعية هي مهد الحضارات وتاريخ الأمم والشعوب ودمشق عاصمتها العريقة هي: "أقدم مدينة مأهولة على وجه الأرض".
وحفاظا على التاريخ الذي كتبه رجالات سورية بماء الذهب وليحفظ أبناء اليوم بطولات رجال الأمس، وانطلاقاً وإدراكا منا بأهمية التخطيط المبني على المعلومات الصحيحة والدقيقة وانطلاقاً من مفهوم لا تخطيط من دون معلومات، ولا معلومات من دون توثيق، ولا توثيق من دون أرشفة صحيحة وسليمة ومنظمة، ولأهمية التوثيق للمعلومات المختلفة ودوره في إنجاح جهود الإصلاح والتحديث الإداري، وحفاظا على تاريخ رجال أشداء تطول قامتهم أعالي السماء، وحفاظا على تاريخ وطن سطر إلياذته الخالدة بماء الذهب و..
هذا هو التوثيق الذي نسعى إليه ونحلم أن تتقنه مؤسساتنا الحكومية المختلفة.
عكس السير