" انفلونزا الخنازير " أو ما يعرف بفيروس " H1N1 " .. مرض شغل العالم خلال الفترة الماضية ، وفيروس أعلنت حكومات العالم جمعاء الحرب عليه ، فجاء إعلان الولايات المتحدة الأمريكية ( الدولة الأكثر إصابة بهذا المرض في العالم ) حالة الطوارئ والاستنفار لمواجهته ، كما أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ لمواجهة هذا " الوباء " ، فخصصت له موقعاً على الانترنت ، كما ألزمت جميع دول العالم بتأمين لقاح ومضادات حيوية لمواجهة هذا المرض .
كما شغلت قضية هذا " الوباء " وسائل الإعلام العالمية التي سارعت لنشر آخر الإحصاءات والتطورات ، وبقيت سوريا لوقت طويل " خالية من هذا الوباء " ، على حد تعبير وزارة الصحة ، إلى أن جاء إعلان الوزارة حول اكتشاف أول إصابة في شهر تموز من العام الجاري لوافدة من استراليا " شفيت من المرض تماماً " على حد تعبير الوزارة ، لتتبعها تصريحات كثيرة تتحدث عن ازدياد الحالات .
وبعد شهر من إعلان اكتشاف أول إصابة في سوريا ، أعلنت وزارة الصحة وفاة أول مصاب بهذا " الوباء " في شهر آب من العام الجاري ، ليعلن بعدها وزير الصحة في شهر تشرين الأول الماضي أن عدد الإصابات بالمرض ارتفع بشكل مفاجئ ، وأن المرحلة الثانية من انتشار المرض بدأت في سوريا ، كما أعلن أن سوريا طلبت شراء 6 ملايين لقاح للمرض ، وأن الدفعة الأولى ستدخل سوريا " قريباً " ، على حد تعبير الوزير .
وحتى لحظة إعداد هذا التحقيق ، أعلنت وزارة الصحة عن سبعة وفيات بالمرض ، رصد إحداها عكس السير ، وكانت حالة الوفاة الأولى بهذا المرض في محافظة حلب ، حيث توفيت امرأة كانت حامل في شهرها التاسع , أصيبت بالمرض في الرقة ووضعت طفلتها قبل وفاتها بلحظات في حلب ، وناقش عكس السير هذه الحالة وملابساتها بالتفصيل في تحقيق نشر في وقت سابق .
حالة جديدة .. طبيب عالج المصابين بهذا " الوباء " فتوفي به
وفي حادثة جديدة رصدها عكس السير، توفي طبيب يبلغ من العمر 51 عاماً نتيجة إصابته بمرض انفلونزا الخنازير نهاية الشهر الماضي في محافظة دمشق ، حيث تمكن عكس السير من الوصول للاطباء المشرفين على حالة الطبيب وهم الاطباء " مروان شامية (قلبية) ، حسان صواف (صدرية) ، ابراهيم حقي (المدير الطبي لمشفى دار الشفاء).
وقال الطبيب "حسان صواف" المشرف على حالة الدكتور المتوفى لعكس السير بأن " الطبيب وصل بحالة سيئة جدا إلى المشفى ، وتم إجراء الكشف السريري له ، وكانت كل الشكوك تشير إلى إصابته بمرض انفلونزا الخنازير ".
وتابع " قمنا بإبلاغ وزارة الصحة وحضر عدة أطباء مندوبين عنهم إلى المشفى وتم أخذ عينة من المريض لتحليلها ، فيما قمنا بعلاجه بمستحضر تامي فلو قبل وصول نتائج التحليل التي تستغرق يومين ".
وبين الدكتور"صواف" أنه تم "أخذ صورة لصدر المريض قبل أربعة أيام من إصابته بالمرض وكانت الصورة طبيعية ، وبعدها بأربعة أيام تم أخذ صورة أخرى لصدر المريض في مشفى دار الشفاء وكانت الصورة بيضاء ... وهذا يعني أن الفيروس انتشر بشكل لايمكن فيها مقاومته والالتهاب استشرى في كل صدره ".
وفي ذات السياق قال المدير الطبي للمشفى " ابراهيم حقي" لعكس السير ان " المريض وهو دكتور وصل بحالة سيئة جدا ، ومنعتنا حالته السيئة من نقله إلى المشافي الحكومية المختصة بمعالجة المرض نظرا لضعف التنفس والقلب ، وتم إجراء كل مايلزم له من خيرة أطباء المشفى ".
ووضح المدير بأن "المريض توفي عصر يوم التاسع والعشرين من الشهر الماضي ، ويرجح أن الاصابة انتقلت اليه عن طريق المرضى الكثر الذين يمرون عليه ويعالجهم ، فالفيروس ينتقل من انسان لانسان بسهولة تامة ".
طبيب : المرض شهد نقلة نوعية خلال الشهرين الماضيين ..وعشرات الحالات لم يعلن عنها
من جهة اخرى وضح الطبيب حسان صواف "أخصائي صدرية " في حوار مطول مع عكس السير بأن مرض انفلونزا الخنازير شهد نقلة نوعية في سورية خلال الشهرين الماضيين وأن العامل الخارجي لم يعد سببا بانتشار المرض كما كان يظن سابقا .
وأشار الطبيب إلى ان معظم أطباء الصدرية لم يعودوا يسألوا مرضاهم المصابين بمرض انفلونزا الخنازير فيما اذا كانوا على تماس مع شخص قادم من خارج القطر لأن المرض أصبح ينتقل من انسان لاخر داخل القطر وهناك حالات كثيرة لم يعلن عنها ، منها على سبيل المثال ثلاث حالات الان في مشفى دار الشفاء ، وهناك شخص من بينهم يتماثل للشفاء .
وأشار الطبيب إلى أن "عشرات الحالات وربما المئات متوزعة على المشافي الخاصة والحكومية المتخصصة بمعالجة المرض ولكن لم يعلن عنها إلى الآن ، وجو الشتاء و أمراضه المعروفة ستسهم كثيرا بانتشار المرض بشكل أكبر" .
مريضة خطفها المرض من عرس ابنتها إلى العناية المركزة .. وتخبط في صحة حلب
وتسببت مريضة مصابة بالمرض بإرباك صحة حلب ، حيث أسعفت المريضة " عائشة . خ " البالغة من العمر سبعة وثلاثين عاماً ، خطفها المرض من عرس ابنتها البكر ، فنقلت على حمالة إلى غرفة العناية المركزة في مشفى " عمر بن عبد العزيز " الخاص بحلب .
وبعد عدة فحوصات أجريت لها ، دار الشك حول إصابتها بمرض انفلونزا الخنازير ، فاتصلت إدارة المشفى بمديرية الصحة ، التي تواصلت مع رئيس قسم الأمراض البيئية بحلب الدكتور " زاهر حج ابراهيم " والذي بدوره أرسل فنياً قام بأخذ مسح من المريضة لإجراء التحليل .
وبعد يومين من أخذ المسح ، حضر ذات الفني إلى المشفى ، وأخذ عينة أخرى من المريضة ، وعاد أدراجه ، وفي اليوم التالي لأخذ العينة ( بعد ثلاثة أيام من أخذ العينة الأولى ) أعلم الدكتور " حج ابراهيم " ذوي المريضة بأنها مصابة بمرض انفلونزا الخنازير ، متجاهلاً إعلام المسؤولين في المشفى ، على حد قول إدارة المشفى .
رعب في المشفى .. أطباء يهربون والإدارة تستنجد بمديرية الصحة
وبعد صدور نتائج التحليل الإيجابية ، أصيب أطباء المشفى بالذعر ، وخصوصاً الأطباء والفنيين والممرضين الذين احتكوا بالمريضة خلال الأيام الأربعة التي سبقت إعلان إصابتها ، فتم على الفور عزلها في غرفة منفردة.
واتصلت إدارة المشفى بمدير الصحة وطلبت منه أن يتم نقل المريضة إلى مشفى زاهي أزرق ( الحميات ) المختص في معالجة هذا المرض ، كما اتصلت الإدارة بمدير مشفى الحميات وطلبت تأمين غرفة للمريضة ليتم نقلها ، إلا أن مديرية الصحة ومشفى الحميات رفض ذلك .
تعميم وزاري .. واستياء عام
ومن جهته برر مدير مشفى " الحميات " الدكتور عبد الكريم حسين رفضه استقبال المريضة بان تعميماً وزارياً صدر مؤخراً يمنع نقل المرضى المصابين بانفلونزا الخنازير بين المشافي ، ويقضي بعلاج المريض ضمن المشفى الذي استقبله .
ومن جهتها ، أبدت إدارة مشفى " عمر بن عبد العزيز " استياءها من هذا التعميم ، وقال مسؤولو المشفى لـ عكس السير : " كيف تفرض علينا الوزارة علاج المرضى من مرض لا نعرف عنه اي شيء ، ليس لدينا اية معلومات عن هذا المرض ، معلوماتنا محصورة بما نشرته الصحف فقط ".
وتابع أحد المسؤولين في المشفى " إن كوادرنا غير مدربة على علاج هذا المرض ، كما أن الوزراة لم تكلف خاطرها بإقامة ندوات و ورشات عمل تطلعنا فيها على كيفية التعامل مع هذا المرض ، حتى أنها لم تكلف خاطرها بطباعة منشورات أو حتى لصاقات توضيحية ، فكيف سنتصرف ".
وأضاف " وبعد أن تم اكتشاف المرض ، لم يكلف الأطباء المسؤولون في مديرية الصحة أنفسهم عناء متابعة الحالة ، أرسلوا لنا مستخدما يحمل علبة دواء تحتوي على عشرة حبات ، دون نشرة دوائية ، قام المستخدم برمي العلبة في المشفى وعاد أدراجه ، وعندما حولنا التواصل مع الدكتور زاهر حج ابراهيم المسؤول عن مكافحة هذا المرض ، فوجئنا بهاتفه مغلقاً ، فاتصلنا بالمشفى ، ولكنه لم يرد علينا ".
رئيس قسم الأمراض البيئية بحلب يتهم إدارة المشفى الخاص بـ " تطفيش المريضة "
ومن جهته رد الدكتور " زاهر حج ابراهيم " رئيس قسم الأمراض البيئية بحلب على الاتهامات الموجهة ضده بالقول " نحن نعمل بحسب تعليمات الوزارة ، وتعليمات الوزارة تقضي بعدم أخذ عينات للتحليل إلى من المرضى الذين تأزمت حالتهم وتم وضعهم تحت المنفسة ، كما تمنعنا التعليمات من نقل المرضى ".
ونفى أن يكون قد بدر منه أي تقصير ، وقال لـ عكس السير : " تابعت الحالة منذ البداية وقدمت لها العلاج ، وعملت بحسب تعليمات الوزارة ".
واتهم رئيس قسم الأمراض البيئية بحلب إدارة مشفى " عمر بن عبد العزيز " بأنها حاولت " تطفيش " المريضة بعد أن رفض أهلها دفع المبالغ المالية المستحقة عليها ، وقال " إن المرض ليس بكارثة أو قنبلة ذرية حتى يخاف منه الأطباء ، ولكنهم تجاهلوا المريضة بشكل مقصود بغية تطفيشها ".
الأمر الذي نفته إدارة المشفى ، كما نفاه ذوي المريضة الذين أكدوا أنهم دفعوا كامل مستحقات المشفى ، وأن إدارة المشفى لم تتخل عن مريضتهم .
مخبر وحيد في سوريا .. وتأخر النتائج " قد يسبب كارثة "
وكان عكس السير ذكر في تحقيق سابق أنه لا يوجد في سوريا إلا مخبر وحيد تتم فيه التحاليل لهذا المرض ، وهو في دمشق ، حيث يضطر الأطباء المسؤولين إلى إرسال العينات إلى العاصمة ، وانتظار نتيجة التحليل ، ومن ثم عودة النتيجة الأمر الذي يستغرق وقتاً .
وقال فني التخدير الذي كان في تماس مباشر مع المريضة لـ عكس السير : " تعاملت مع المريضة قبل صدور نتائج التحليل بالطريقة المعتادة ، كأي مريضة موجودة في المشفى ، إلى أن ظهرت نتائج التحليل بعد أربعة أيام قضتها في المشفى ".
وتابع " وضعناها في العناية المركزة ، وكان بجوارها عدد من المرضى ، قبل أن نقوم بعزلها ، إن تأخر صدور نتائج التحليل وضعتنا في مأزق كبير ، نحن نخشى من أن يكون الفايروس قد انتقل إلى غيرها ، وقد اكون أنا شخصاً أصبت بالمرض ".
يذكر أن نتائج التحليل في أول حالة وفاة شهدتها محافظة حلب صدرت بعد وفاة المريضة ، ولم يتم إبلاغ أهلها إلا بعد انتهاء العزاء حينها ، الأمر الذي تسبب بحالة ذعر بين أهل المتوفاة ، وجميع الأشخاص الذي حضروا وقاموا بواجب العزاء ، إضافة لوجود أستاذ يدرس في مدرسة ابتدائية خشي من أن يكون مصاباً بالمرض ، أو أن يكون قد تسبب بنقل الفايروس إلى طلابه .
وقامت مديرية تربية حلب بعد أن نشر عكس السير التحقيق حينها ، بفحص المدرس ، ومنعه من دخول المدرسة حتى يتم التأكد من سلامته .
مريضة تهرب إلى الأردن .. ومطالب " بصحوة وزارية "
وعلم عكس السير من مصادر مطلعة أن مريضة بإنفلونزا الخنازير ، وافدة من فرنسا إلى سوريا ، غادرت سوريا الأسبوع الماضي إلى الأردن بعد أن بقيت يومان في أحد المشافي الخاصة بحلب ، حيث قصدت أحد مشافي الأردن لتلقي العلاج .
وطالب أحد الأطباء وزارة الصحة بأن " تصحو " وتتصرف بطرق علمية لمواجهة المرض ، وقال لـ عكس السير : " إن وزارة الصحة تجابه هذا الوباء بخطوات ثقيلة ، وعليها أن تتحرك بسرعة أكبر ، فلا يجب عليها أن تجلس وتحصي الحالات فقط ، يجب عليها أن تعد كوادر طبية بشكل سريع ، وتسرع استيراد اللقاح ، كما يجب عليها أن تكثف ورشات العمل والندوات ، وأن تطبع بعض المنشورات التي تساعد الطبيب في عمله ".
انفلونزا الخنازير في سطور ..
وانفلونزا الخنازير هو مرض رئوي تسببه فيروسات ظهرت في المكسيك وانتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل ان ينتشر في العالم ، وهو واحد من آلاف أنواع الأنفلونزا المنتشرة في العالم ، إلا أنه يعتبر الأكثر تطوراً ، وينتقل عن طريق التنفس ، حيث يتسبب بإنتانات رئوية حادة ، وقد ينتهي بهلاك الإنسان المصاب به في حال إهماله .
و على الرغم مما أثير حول هذا المرض من " بروباغندا " إعلامية ، وتضخيم للواقع بهدف تسويق الأدوية واللقاحات المضادة له ، إلا أنه يبقى مرض منتشر وعلى الجهات المعنية مكافحته ، خصوصاً أن الباحثين والمختصين يؤكدون أن علاجه ومكافحته أمر ممكن ، وبسيط إذا اتخذت الإجراءات الصحيحة ، الأمر الذي يطالب به الأطباء في سوريا وزارة صحتهم .
يذكر أن تكلفة تحليل انفلونزا الخنازير تبلغ حوالي ستة آلاف ليرة سورية ، بحسب بيانات وزارة الصحة ، كما تبلغ تكلفة اللقاح 76 دولاراً ( حوالي 3600 ليرة سورية ) ، وأعلن وزير الصحة مؤخراً أنه تم استيراد ستة ملايين لقاحاً ، وبأن الدفعة الأولى من هذا اللقاح ستدخل سوريا قريباً ، كما تتوفر لدى وزارة الصحة المضادات الحيوية اللازمة لعلاج هذا المرض ، وقد قامت عدة شركات سورية بإنتاجه مؤخراً ، وحصر توزيعه عن طريق وزارة الصحة .
قسم التحقيقات : علاء حلبي – أحمد العقدة – عكس السير