من يعرف شاطئ اللاذقية جيدا لا بد وأن يعني له اسم " أبو قدّور" شيئاً, مئات بل آلاف الأشخاص مروا على طول كورنيش اللاذقية الجنوبي ووقفوا على صخوره ليراقبوا صخرة الانتحار ويرددوا ما سمعوا عنها من حكايات, لكن قلة قليلة فقط من عرفوا بأنه وقبالة الصخرة الكبيرة في قلب الجرف الصخري, يسكن رجلٌ أشعث الشعر طليق اللحية, ومجرّد التفكير بالوصول إليه هو مغامرةٌ تستحق التجربة ,ومن يعشق المغامرة أكثر منا في عكس السير .
رحلة الوصول إلى الكهف
على الزاوية الجنوبية الغربية من الكورنيش الجنوبي وتماماً عند حافة الجرف الصخري يبدأ درجٌ حجريٌّ شديد الانحدار وبالقرب من نهايته كوخٌ صغير من الخشب والصفيح وبجانبه ممر وبيت لكلب لا يتوقف عن النباح, ما إن ينتهي الدرج حتى تجد نفسك على الشاطئ تماماً وإلى يمينك الصخرة تبدو مخيفة, هناك على اليسار حيث أقام أبو قدّور بيته البدائي, في التجويف الحجري الضخم في قلب الجرف الصخري, أكمل إغلاقه باستخدام بعض قطع الصفيح والخرق البالية, وصنع بيده قطع الأثاث البسيطة من الخشب والحجر, أسلوب حياته لا يمكن إلا وأن يذكرنا بـ " روبنسون كروزو " , حتى حين كانت أشد أيام حياته حزناً هي تلك التي بدأت فيها شركات الاستثمار الخاصة العمل بالقرب من كهفه لإقامة مشاريع سياحية كبيرة أقلقت راحته.
تحيط الشائعات أبو قدور لتجعله يبدو كبطل هارب من إحدى الأساطير, "عبد الله الهندي" هو اسم أبو قدور الحقيقي وهو في الأصل من أبناء جزيرة أرواد, ويؤكد الجميع أنه يملك منزلا كبيرا في وسط اللاذقية, لكنه فضل اعتزال الحياة الصاخبة والاكتفاء بالصيد.
يبرر البعض بقاء أبو قدور في كهفه قبالة صخرة الانتحار الشهيرة بأنّ حبيبةً قديمة ملّ أهلها انتظار عودة أبو قدور من إحدى أسفاره, فأرادوا إرغامها على الزواج, وهناك على صخرة الانتحار أنهت حياتها وفاءً لحبها الغائب. الذي عاد متأخراً ليتوقف لديه الزمن في اللحظة التي سمع فيها أن حياة حبيبته انتهت.
شيخ الصيادين
صيادو اللاذقية وعمال الميناء فيها يشهدون له استحقاقه للقب شيخ الصيادين, فهو مرجعيةً لا يمكن أن تخطئ, قادر على التنبؤ بحالة الطقس ويصيب دوماً حتى لو خالف رأيه كل النشرات الجوية وأصحاب الخبرات, كما يتقن بفطرته البدائية اختيار أماكن الصيد ويهدي نصائحه للصيادين وللهواة أيضاً, كثيراً ما ساعد في إنقاذ القوارب الجانحة والتائهة بدقة تحديده لمكانها عبر تقديره للتيارات البحرية وحركة الرياح, وكثيراً ما حدد أسباب العطل في زوارق وسفن مرّت على اللاذقية واحتار في أمرها اختصاصيون.
صفحة من تاريخ الحب
يروي أبو قدور لزواره ,كما روى لـ عكس السير , قصص البحر والصيد ومغامراته, ,يروي كيف عشق البحر حتى نسي أي شيء آخر, ويحكي تاريخاً حافلاً من قصص الحب التي شهدها على الشاطئ, قصصاً بنهايات حزينة حين يُفرِغ العشاق ما لديهم من صراخ وعتاب على حافة الجرف الصخري ظناً منهم بأنّ أحداً ما لا يسمعهم, وقصصاً أخرى لعشرات الأشخاص الذين أصابهم اليأس قصدوا صخرة الانتحار أو مرّوا مصادفةً بكهفه ليتبادل معهم أحاديث كثيرة ويروي لهم حكايات عن صبرِ الصيّادٍ وغدر البحر.
يعتبر أبو قدور هؤلاء الغرباء أصدقاء حياته, رغم أنه لا يرى معظمهم إلا مرة واحدة, ولا بد من القول أنّ أبو قدور رجل يعرفه كل عاشق في اللاذقية, لكن أحداً لن يعترف بأنه مر يوماً من هناك.
فرح يوسف – عكس السير - اللاذقية