درجَ الحلبيون على أن يقولوا : "بستان كليب" عندما يتحدثون عن الحي الذي يقع اليوم بين مبنى المتحف وبين الفندق السياحي بحلب ، هذه المنطقة كانت خارج حلب غربيّ السور ، وهي تمتد من باب الفرج الى الطرف الغربي للخندق، و تغمس قدميها في مياه قويق الرقيقة ، هذه البقعة الخصبة كانت بستانا مزدهراً بأشجاره وأزهاره ، فهو على ضفة نهرٍ كان لايزال يجري كعهده القديم ، قبل أن ينقطع ( )، فكان هذا البستان يُروى رياً جعله مضرب الأمثال في النماء والرواء ، و رطوبة الأرض وعليل الهواء، حتى أن أحد الكاتبين في جريدة الجماهير الحلبية، قال عنه وهو يفسر إسمه : (.. و قيل له .. "بستان كليب" ، لإجتماع الكلاب فيه صيفاً ، طلباً للرطوبة والبرودة ، ولما كان جمعُ الكلاب في حلب "كليب"، فأسموه بستان كليب !. )، ربما أصاب الكاتبُ عين المنطق فيما كتبَ وفسّـر، لأنه حكى وعبّـر، عما بين الناس شاع وإشـتهَر .
لكن ، وبعد أنْ ُنشرتْ سنة 1998 (السيرة الذاتية للزعيم الوطني السيد عبد الرحمن الكواكبي بقلم حفيده القاضي سعد زغلول الكواكبي) أصبح لإسم هذا البستان تفسير آخر، فقد روى فيه الحفيدُ ، كيف كان السيد يرتب أمورَ سفره الأخير من حلب ، فقال : "حتى كانت غرة ذي الحجة عام 1318هـ (الموافق 2 نيسان 1900م ) رهنَ بيـته الذي أنشأه في حيّ الفرافرة ، كما أنه أبقى أرضَ وبستانَ الكـَتـّاب مرهونتين لدى جرجي خياط ، وأعـتـقـدُ أنه باع َ بساتين الورد التي كان يملكها ، والتي ُتسمّى حتى الآن بستان غُل آب( ) ، أي بستان ماء الورد باللغة الفارسية ، ذلك أني ، يقول الحفيد ، وجدتُ مخططاتها بين أوراقه ، ومشروع َ إفرازها ، كما وجدتُ حسابات واردات الورد الجوري الذي كان يُجنى منها ويُباع ليُسـتـَخرَجَ منه ماءُ الورد ". و بعد خمسة عشر يوماً من رهن داره و حصوله على المال ، كان سفرُه الى مصـر... . الصفحة 76 من السـيرة الذاتـية . .
ولكن ما علاقة البستان بالجُلاب ؟ الجُلاب هو ماء الورد الذي كان يُحملُ من بلاد فارس الى العالم عن طريق الهند ، و لاشك في أنه وصلَ الى بلاد العرب وقـتـئـذ ، فمنذ فجرالإسلام كان معروفاً عندهم بإسمه الفارسي ؛ فهذه عائشة تقول في حديثها : "كان النبي إذا إغتسل من الجنابة دعا بشيئ ... مثلَ الجلاب". وهي كلمة معرّبة من الفارسية معناها ماء الورد كما يقول صاحب اللسان ، وكذلك قال المعجم الوسيط . أما في معجم غرائب اللغة العربية ، فالجلاب golab : سكر أو عسل عُـقـِد َ بماء الورد ، فالجل هو الورد، و الآب هو الماء. ويقول معجم المعرّبات الفارسية : الجلاب شرابٌ يُعـقـدُ بالسكر أو بالعسل ، وماء الورد أوالزهر، معرّبٌ من كل : زهر و آبٌ : ماء ، إقتبسها الفرنسيون فقالوا: julep . من معجم المعرّب والدخيل . من الواضح أن مدار هذه الكلمات كافة ً هو ماء الورد ، فإذا إسـُتعمل مفرداً لوحده فهو عطرٌ وطيب ، كما أشارت عائشة ، وإذا أستـُعمل مع التحلية فهو شراب ! .
ولعل وجود عائلة من عائلات حلب العريقة ُتكنـّى ب"الماوردي" ، وهي شهيرة ومُعتبَرة في حلب لدرجة أن سُـمِّيَ الحي بإسمها فأصبح يُعرف ب "حيّ الماوردي"، أقول: لعل في وجود هكذاعائلة دليل من تراث هذه المدينة العريقة في إستقطار ماء الورد وربما عقد الجلاب ، على وجوب تسمية هذا البستان ب "غـُلّ آب" .
ثمة دليل آخر، لابدّ وأن كثير من القراء رأووه كما رأيتـُه ، في أوراق النعي لسيدات فاضلات من حلب ، ُتعلـّق بين حين وآخر على جدار كنيسة ما في السليمانية أو العزيزية .. وهي تحمل إسم المرحومة " غل " بنت فلان الفلاني . ولا يزال (بيت كلو) من العائلات التركمانية المعروفة في عزاز. ( ولا أقول أعزاز، لئلا أقع في خطأ شائع ) .
ألا يكفي بعضُ هذا الذي نقلناه ، لنـُصححَ إسماً جَـنـَتْ عليه لهجة ُ المدينة في حلب : بإمالة الألف في كلمة ُكل آب ، لتصبح كـْلـِيب ويضيع المعنى ! بل وينقلب رأساً على عقب : من ماء وطـِيبٍ فوّاح ، إلى عـواءٍ و نباح ! .
بلى ، آن الأوان فلتضع بلدية حلب أوالمركز الثقافي أو جمعية العاديات أوغيرذلك من الجمعيات المعنية بحلب القديمة، لوحة َ تعريفٍ بالإسـم الصحيح (غول ـ آب ) للبستان و للحيّ أيضاً ، مع تعريب المعنى ، وأن تعلنه في مكان بارز فيه ، بل وفي أمكنة أخرى تدلّ عليه .