الكشف عن مصير المعتقلين السوريين و مسار العدالة

بدأ النظام السوري منذ فترة قريبة بإرسال قوائم لدوائر النفوس بأسماء المعتقلين الذين قضوا في المعتقل بسبب التعذيب أو التجويع أو بقصد جرمي بزرع الأمراض الفتاكة بالمعتقلات لقتلهم دون تقديم أي عناية طبية (وهذه السياسة بالقتل الممنهج عبر الأمراض القاتلة، لدينا الكثير من المؤشرات والشهادات عليها وربما تفوق ببشاعتها ووحشيتها ما جرى في أفران الغاز النازية)، وسيأتي قريباً اليوم الذي تنكشف فيه تفاصيل ما جرى في معتقلات النظام السوري، الأكثر بشاعة في التاريخ.

ولدى منظمات حقوق الإنسان ما يكفي من الشهادات والأدلة والوثائق التي تؤكد على الأقل قتل أكثر من ثلاثة عشر ألف معتقل في المعتقلات موثقين بالأسماء، ولدينا ما يؤكد كذلك أن الرقم الحقيقي للمعتقلين الذين تم قتلهم في المعتقلات يتجاوز رقم الخمسين ألف معتقل، وهذه الحقائق معروفة وجميعنا نطالب وننتظر الكشف عن مصير المعتقلين على الأقل لمنع ابتزاز الأهالي من قبل شبيحة النظام وزبانيته الذي أخذوا أموالاً طائلة من أهالي المعتقلين لمجرد الحصول على خبر بسيط عن مصير المعتقل.

الكشف عن مصير المعتقلين هو أول خطوة في مسار العدالة، وهو أول خطوة للبدء بمسار المحاسبة وقد بذلت وما تزال تُبذل جهود جبارة حتى الآن رغم مرور سنوات كثيرة جداً في دول كثيرة مرت بظروف مشابهة للوضع السوري للبحث عن مصير المعتقلين الذين تم إخفاء مصيرهم ولم تعرف الجهة أو المكان الذي كانوا فيه.

أولى الإيجابيات لهذه الخطوة هي إراحة أهالي المعتقلين ووقف الابتزاز والقلق الذي كانوا يعيشون فيه.

ثانياً هي وثيقة رسمية صادرة عن المجرم باعتراف كامل تؤكد مسؤولية النظام السوري الكاملة عن الاعتقال وعن موت المعتقل مهما كان سبب الوفاة حتى لو كان ذبحة قلبية كما تدعي الوثائق التي فبركها وليس من التعذيب أو القتل العمد كما هو الواقع، فالنظام مسؤول عن عدم تقديم العناية الطبية لمعتقل واحد فكيف بآلاف المعتقلين، وهو مسؤول عن جريمة الإخفاء القسري لفترات طويلة ومسؤول عن حياة المعتقل وسلامته وجريمة إخفاء الجثث وطمس معالم الجرائم، كما أن الكشف عن هذه القوائم بهذا العدد الكبير يؤكد المنهجية والنطاق الواسع للجرائم والمسؤولية الجنائية لكل أركان النظام عنها بما فيها المستوى السياسي والوزاري الذي شارك بها، مما يؤكد أنها جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان لا يمكن دحضها ولا إنكار مسؤولية كل أركان النظام عنها. يُعزز كل ذلك بشهادات الشهود من الضحايا الناجين وصور ملف «قيصر» التي فضحت هذا الملف الأبشع في الوضع السوري، وخاصة أن جميع المعتقلين الذين تم قتلهم في المعتقلات هم من الناشطين السلميين وتم اعتقالهم وقتلهم في بدايات الثورة السورية وقبل وجود السلاح باعتراف رأس النظام نفسه، مما ينفي أي تهمة إرهاب أو حمل سلاح عنهم، كما أن قتلهم كذلك تم باعتراف الوثائق نفسها في فترات مبكرة من عمر الثورة السورية. كما يفضح أن هذه الفئة بالذات (الناشطين السلميين) هم الفئة المستهدفة بالقتل في المعتقلات وليس الإرهابيين وحملة السلاح الذين أصدر رأس النظام أكثر من ثمانية مراسيم للعفو عنهم.

السؤال لماذا الآن يقدم النظام وثيقة اعتراف بجريمة كاملة الأركان؟ ولماذا يلبي مطالب منظمات حقوق الإنسان بالكشف عن مصير المعتقلين؟

أول الأسباب ربما أنها خطأ تورط فيه النظام ويمكننا الاستفادة منه للدرجة القصوى.

وثانياً ربما بدأ تحريك الملفات لدى القضاء الأوروبي وإصدار مذكرات توقيف بحق عدد من المجرمين المتهمين بالمسؤولية عن جرائم الإخفاء القسري والتعذيب والقتل في المعتقلات وعلى رأسهم جميل الحسن، ما دفع النظام لمحاولة إيجاد غطاء قانوني بموتهم لأسباب طبية (حتماً لن يؤخذ به) للرد قانونياً على الملفات المفتوحة، وربما لسحب ملف المعتقلين من التداول السياسي وخاصة مع قرب اجتماع آستانة والضغط باتجاه وضع ملف المعتقلين أولاً على الطاولة، وقبول روسيا بذلك ومحاولة تشكيل لجان للكشف عن مصير المعتقلين فاستبق هذه الخطوة بالبدء بالكشف عن مصيرهم لقطع الطريق على أي محاولة لذلك، وربما محاولة منه لفتح ملف قضائي بسوريا وإلباس التهمة لبعض رموز الإجرام من ضباطه وعناصره الذين استنفدهم وانتهى دورهم، لمحاولة سحب ملف العدالة من يد القضاء الأوروبي أو الدولي. (وحتماً هذه لن تنجح أبداً لأنه لا يمكن الاعتداد بقضاء مستقل ونزيه قادر على القيام بهذه المهمة في سوريا).

وقد تكون هناك أسباب أخرى وتفسيرات مختلفة ولكن وفي كل الأحوال ومهما كانت الأسباب، فهذه الخطوة لن تؤثر إلا إيجابياً في مسار العدالة الذي بدأ ولن يتوقف حتى محاسبة كل المجرمين ورأس الإجرام بينهم.

ولن يفلح النظام في أي طريقة لتفادي الملاحقة عن الجرائم التي ارتكبها بحق سوريا والسوريين، وهي الخطوة الضرورية على مسار العدالة الشاملة للسوريين، كما أنها إشارة إيجابية إلى أن النظام بدأ يحسب حساباته عن البدء بالمحاسبة عن الجرائم التي ارتكبها والتفكير في محاولة التملص منها أو إيجاد أكباش فداء لرميها في المحرقة.

الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بكل أركانه هي أبشع وأشنع جرائم حصلت في التاريخ، وتجاهلها والسماح لمرتكبيها بالإفلات من العقاب سيفتح بوابات جهنم على العالم كله.

أنور البني (رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية) – الشرق الأوسط

تابعوا أبرز و أحدث أخبار ألمانيا أولاً بأول عبر صفحة : أخبار ألمانيا News aus Deutschland

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

‫5 تعليقات

  1. سيبقى النظام المجرم بدون حساب وسيغطي النظام الدولي عن جرائمه

  2. هذا الاجرام البوتيني مسؤول عنه بوتين عبر ادواته بسوريا عصابة الاسد ولن تمر دون محاسبة وانتقام من الروسي قبل السوري

  3. النظام العلماني العلوي السوري يقف وراءه نظام بوتين الروسي ذو الأصول البلشفية.
    النظام البولشفي أباد الملايين و لم يعاقبه أحد فلم سيعاقبون ذنبها.

  4. رغم أنني متفائل بالمقال ومما لا شك فيه أن العدالة الإلهية ستتحق وسنراها عاجلاً غير آجل، فما شهدنا جميعاً في السنوات الماضية مقتل جميع المجرمين الذي شاهدنا لهم فيديوهات لجرائم ارتكبوها وماتو بشكل أو بآخر وكان آخرهم عصام زهر الدين صاحب مقولة ( خذوها من هالذقن لا ترجعو )…
    ومن جانب آخر فإن النظام سيطبق قواعده المتبعة منذ العام 2000 على أقل تقدير وهي أن يكلف شخص من عناصره بمهمة قذرة ثم بعد التنفيذ يقوم بالتخلص من أداة الجريمة مثل قتل رفيق الحريري ثم تصفية جميع المنفذين وعلى رأسهم عماد مغنية ورستم غزالة…إلخ
    واليوم سيفعل النظام نفس السيناريو.. كل فترة سيقوم بتصفية مسؤول أمني والتهمة جاهزة ( الإرهابين ..المسلحين..خلايا داعشية… إلخ ) و بالتالي التخلص من الشهود على إجرامه..