مجلة دير شبيغل الألمانية: عندما يموت البشر لمن تعني الحجارة ؟ .. سوريا تصارع لإنقاذ تراثها الحضاري

بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، تخوض سوريا معركة جديدة من نوع آخر: معركة الحفاظ على تراثها الثقافي الممتد لآلاف السنين. فبعد حرب أهلية دامية استمرت سنوات، وأسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص وتشريد ملايين آخرين، لم يقتصر الدمار على البشر والحجر المعاصر، بل طال أيضًا الإرث الحضاري الذي يجعل من سوريا واحدة من أغنى بلدان العالم بالآثار.

سوريا أرض تعاقبت عليها عشرات الحضارات منذ فجر التاريخ، من السومريين والآشوريين والبابليين، مرورًا بالمصريين القدماء والحثيين والفرس والرومان، وصولًا إلى الدول الإسلامية، والحملات الصليبية، ثم الانتداب الفرنسي. هذا التراكم الحضاري الهائل ترك بصمته في المدن والآثار التي باتت اليوم مهددة بالاندثار.

وتقود ملف حماية هذا الإرث اليوم لونا رجب، المهندسة المعمارية البالغة من العمر 54 عامًا، والتي عُيّنت مؤخرًا وكيلة دولة لشؤون التراث والآثار.

رجب، التي سبق أن عملت مستشارة للوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) ومنظمة اليونسكو في قضايا الترميم، تُعد من الشخصيات التي يعلّق عليها كثيرون آمالهم في «سوريا الجديدة».

وتقرّ رجب بصراحة أن الحرب لم تُظهر أي اهتمام حقيقي من أي طرف بحماية الآثار، معتبرة أن ذلك «أمر شائع في الحروب»، لكنها تؤكد أن المرحلة الحالية تفرض أولوية إنقاذ ما تبقى.

وتشير إلى أن حجم المهمة هائل، لدرجة أنه لا يوجد حتى الآن حصرٌ شامل ومنهجي لحالة المواقع الأثرية، كما أن العديد من المناطق لا تزال غير قابلة للوصول.

إلى جانب الدمار، تواجه سوريا تحديًا آخر لا يقل خطورة: نهب الآثار والاتجار بها.

فقد أدى الصراع إلى تفاقم هذه الظاهرة، حيث تورطت أطراف متعددة في تهريب الكنوز الأثرية لتمويل أنشطتها، لتصل القطع المنهوبة إلى أسواق سوداء في مختلف أنحاء العالم.

كما دُمرت مواقع بارزة مثل مدينة تدمر الأثرية عمدًا على يد تنظيم «11».

وفي هذا السياق، يروي عالم الآثار الهاوي محمد الفارس، الذي عاد إلى مدينته تدمر (تدمر/تدمر القديمة) بعد سقوط النظام، حزنه على ما لحق بالآثار، مشيرًا إلى أنه نظّم مع آخرين دوريات حراسة ليلية لحماية ما تبقى من اللصوص.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل التراث السوري لا يتوقف فقط على إعادة بناء الحجارة، بل على إعادة الاعتبار لقيمتها الاجتماعية والإنسانية، وعلى وعي السوريين أنفسهم بأن هذه الآثار ليست بقايا الماضي فحسب، بل جزء من هويتهم ومستقبلهم.

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.