من سوريا إلى أوسنابروك .. توأم طبي سوري يشق طريقه إلى الاستقرار في قلب النظام الصحي الألماني

قبل اثني عشر عاماً ، وصل الطبيبان التوأم يامن ويشار شهابي من سوريا إلى ألمانيا، في رحلة لم تكن مخططة، لكنها قادتهما اليوم إلى العمل كطبيبيْن مقيميْن في مستشفى أوسنابروك، حيث يسعيان أخيرًا إلى الاستقرار وبناء مستقبل مهني وحياتي دائم.
التوأمان، اللذان يعملان حالياً في قسم الأمراض الصدرية، يؤكدان أنهما قدما “ليبقيا”، على حد تعبيرهما، وأن مدينة أوسنابروك قد تكون محطتهما الأخيرة بعد سنوات طويلة من التنقّل بين ولايات ومدن ألمانية مختلفة.
رحلة بحث طويلة عن الاستقرار
رحلة الشهابييْن داخل ألمانيا لم تكن قصيرة ولا سهلة. فبعد وصولهما الأول، تنقلا بين عدة ولايات، من بينها سارلاند، وبادن-فورتمبيرغ، وشمال الراين-وستفاليا، وهيسن، وراينلاند-بفالز، قبل أن يستقرا أخيرًا في ولاية سكسونيا السفلى.
يقول يامن إنهما اليوم يعرفان مدناً ألمانية أكثر مما كانا يعرفان مدناً في سوريا أو حتى في الإمارات العربية المتحدة، حيث أمضيا مرحلة لاحقة من حياتهما المهنية.
زيارة المدن واستكشافها تحوّل إلى هواية، لكن الهدف الحقيقي ظل واحداً : إيجاد مكان يمكن أن يُسمّى “وطناً”.
دراسة الطب بين سوريا والخارج
في البداية، واجه التوأمان صعوبة كبيرة في الحصول على مقعد دراسي في ألمانيا بسبب وضعهما كطلاب أجانب، ما اضطرهما إلى العودة إلى سوريا، حيث أتما دراسة الطب في جامعة خاصة.
وبعد التخرج، توجّها إلى أبوظبي، حيث عملا لفترة كأطباء متدربين في إحدى العيادات، إلا أن البحث عن مكان تدريب تخصصي ظل تحديًا صعبًا، يشبه في تعقيده رحلة البحث الأولى عن مقعد جامعي.
فرصة غير تقليدية… وقرار حاسم
التحوّل المفصلي في مسيرتهما جاء عندما أرسلا طلب توظيف مشترك إلى مستشفى أوسنابروك، وهو أمر غير معتاد، لكنه لاقى قبولًا غير متوقع. والمفارقة أن الأطباء الذين راجعوا الطلب – من بينهم رئيس القسم وبعض الأطباء الاستشاريين – هم أنفسهم توائم، ما خلق حالة من التفاهم الإنساني والمهني.
وبفضل كفاءتهما العلمية وحاجة المستشفى إلى أطباء مقيمين، جرى قبولهما معًا.
العمل اليومي… والتفاصيل الصغيرة
يعمل التوأمان جنبًا إلى جنب، ويتشاركان حتى تفاصيل صغيرة مثل السكن المؤقت الذي وفره المستشفى لهما، بانتظار العثور على شقة دائمة، مشتركة في المرحلة الحالية.
وفي أروقة القسم، يعتمد الطاقم الطبي أحيانًا على لون الحذاء للتمييز بين التوأمين، في مشهد يعكس روحًا خفيفة داخل بيئة عمل جادة. حتى المرضى، ومع كثرة التنقل بين الغرف، باتوا يعتادون على وجودهما المتشابه شكلاً والمختلف حضورًا.
أوسنابروك… مدينة تشبه ما يبحثان عنه
يقول يشار إن أوسنابروك مدينة “حية”، ويظهر فيها بوضوح طابع المدينة الجامعية، على عكس مدن أخرى “تخلو من الحركة بعد الساعة السادسة مساءً”. هذا الإحساس بالحياة اليومية، إلى جانب بيئة العمل الداعمة، جعلهما يشعران بالراحة منذ الأسابيع الأولى.
نظرة إلى المستقبل
على المدى البعيد، يتطلع كل واحد منهما إلى تأسيس عائلة مستقلة، ما يعني أن طرقهما ستنفصل يومًا ما، ولو مكانيًا، لكن حتى ذلك الحين، لا يفصل بينهما سوى جدول المناوبات.
قصة الطبيبين التوأم ليست فقط حكاية نجاح مهني، بل نموذج لمسار شاق قطعه كثير من اللاجئين والكفاءات السورية، بحثًا عن الاستقرار، والاعتراف، والمكان الذي يمكن أن يُسمّى أخيرًا “وطنًا”.