فرانس برس : في شرق لبنان مخيّم شيّده حزب الله لإيواء فارين من سوريا بعد إطاحة الأسد

 

في منطقة نائية في شرق لبنان، تعلو صور قادة “شهداء” من حزب الله وإيران داخل مخيم يؤوي مئات العائلات التي فرّت من سوريا المجاورة بعد إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد قبل أكثر من عام.

ومنذ تولّي السلطات الجديدة الحكم في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد أكثر من نصف مليون لاجئ سوري الى بلدهم، لكن سكّان مخيّم “مجمّع الإمام علي السكني” الذي شيّده حزب الله في منطقة الهرمل سلكوا مسارا معاكسا.

ويشرح عنصر في حزب الله رافق فريق فرانس برس خلال جولة في المخيّم، متحفظا عن ذكر اسمه، “يؤوي المجمّع بين 700 إلى ألف شخص.. معظمهم لبنانيون، لكن بينهم أيضا سوريين”.

وأوضح أن اللبنانيين هم سكان قرى تقع في الجانب السوري من الحدود، كانت تحت سيطرة حزب الله قبل إطاحة الأسد، الذي كان الحزب من بين داعميه وأرسل مقاتليه لمساندته إثر اندلاع النزاع السوري العام 2011.

قبل ذلك، كان الآلاف من اللبنانيين يقيمون منذ عقود الى جانب السكان السوريين في منطقة القصير في محافظة حمص في وسط سوريا، والتي تتداخل حدودها مع منطقة البقاع الشمالي في شرق لبنان، وتضم الكثير من المعابر غير الشرعية التي كانت تستخدم منذ عقود للتهريب. وعاش اللبنانيون وغالبيتهم من الشيعة الى جانب السكان السوريين وغالبيتهم من السنة فيها بدون أي اعتبار للعوامل الطائفية.

لكن بعد اندلاع النزاع، أقر حزب الله في نيسان/أبريل 2013، بمشاركة مقاتليه في المعارك دعما لحكم الأسد، وتحديدا في القصير التي شكلت معقلا بارزا حينها للفصائل المعارضة.

وسرعان ما سيطر الحزب مع القوات الحكومية على المنطقة، إثر معارك ضارية تسببت بتهجير آلاف السوريين من سكانها. وجعلها منطقة نفوذ له، أنشأ فيها تباعا مقار ومراكز وأنفاقا ومستودعات سلاح استهدفتها اسرائيل مرارا.

وبعد إطاحة الأسد، أخلى الحزب تلك المنطقة، وفرت آلاف العائلات اللبنانية منها على عجل.

وبين هؤلاء زينب قطايا التي فرت من قريتها زيتا الواقعة في الجانب السوري من الحدود، وانتقلت مؤخرا للإقامة في المخيم الذي افتتحه حزب الله في منتصف كانون الأول/ديسبمر 2025.

وتقول قطايا (56 عاما) لفرانس برس “كنا في منازلنا، لكنهم أخرجونا منها بقوة السلاح وأحرقوها”، في إشارة إلى القوات التابعة للسلطات الجديدة التي تولّت زمام الحكم بعد سقوط الأسد.

وتضيف “لا يهمنا من الرئيس، أحمد الشرع أو بشار الأسد، ما يهمنا هو العدل وأن نعود الى بيوتنا بأمان”.

رغم برودة الطقس في المخيم المشيّد على أرض جرداء عند تخوم مدينة الهرمل، يلهو أطفال في ممرات ضيقة تفصل بين وحدات سكنية عبارة عن غرف مسبقة الصنع وأخرى ذات جدران اسمنتية. ويتوجه عدد منهم لمتابعة حصص دراسية داخل مركز تعليمي، بعد عودتهم من مدينة الهرمل حيث شاركوا في احتفال بذكرى ولادة الإمام المهدي.

وترتفع على جدران بعض الغرف صور الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، الذي قتلته اسرائيل عام 2024 بغارات جوية استهدفت مقر قيادة للحزب تحت الأرض في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت.

وعلى واجهة مسجد داخل المخيم، رُفعت صورة للقائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي قتل بضربات أميركية في بغداد عام 2020.

ويقول عنصر حزب الله الذي رافق فريق فرانس برس إن المخيم ممول من “تبرعات خاصة” من إيران.

وتم تنفيذ المشروع الذي يضم 228 مسكنا، وفق ما أفادت إذاعة النور التابعة لحزب الله عند افتتاحه رسميا، “بدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية” التي شكلت أبرز داعمي الأسد.

ويضم متجرا صغيرا للمواد الغذائية وحلاقا ومسجدا، وهو مزوّد بالكهرباء وبئر مياه ومرافق صحية.

منذ إطاحة الأسد، عملت السلطات الجديدة التي تنظر بتحفّظ إلى حزب الله بسبب تدخّله لصالح الأسد، على ضبط الحدود وقطع إمدادات حزب الله بالأسلحة. وأكدت رفضها للنفوذ الايراني في البلاد، بينما شهدت المنطقة الحدودية مناوشات عدّة.

ويرفض كثر من سكان المخيّم التحدّث الى الصحافيين، خصوصا بعد جدل أثارته مؤخرا تقارير إعلامية تحدثت عن وجود عسكريين من الجيش السوري السابق في المخيم.

لكن الجيش اللبناني أكد في بيان في السادس من كانون الثاني/يناير، أنه دهم المجمّع بعد “تداول بعض وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية معلومات حول إيواء مطلوبين ووجود أسلحة”، مؤكدا أن العملية “لم تسفر عن موقوفين أو مضبوطات”.

وانتقدت قوى سياسية في لبنان تشييد المخيم. ووجهت النائبة عن القوات اللبنانية غادة أيوب سؤالا الى الحكومة، عن كيفية انشائه “خارج أي إجراء رسمي واضح، وبمعزل عن إشراف مؤسسات الدولة اللبنانية”.

ويؤكد رئيس لجنة التربية في بلدية الهرمل علي محمود المصري لفرانس برس أن “غالبية العائلات الموجودة هنا هم لبنانيون نزحوا من داخل الأراضي السورية، يضاف لهم بعض العائلات السورية”، مؤكدا أن “معظمهم مدنيون”.

وينفي أن يكون المخيم لـ”فلول النظام”، وهي تسمية تطلقها السلطات السورية على الموالين للحكم السابق.

وأحصت الأمم المتحدة وصول 115 الف شخص من سوريا الى لبنان بعد إطاحة الاسد، يضاف اليهم قرابة نحو مليون لاجىء سوري مسجلين في لبنان.

فور إطاحة الاسد، فرّ خضر غراب (62 عاما)، وهو سائق حافلة لنقل الركاب، من قريته زيتا. ويقول الأب لأربعة أولاد “خرجنا بملابسنا وجئنا إلى الهرمل”.

ويضيف “لم يحتضنا أحد ولم ينتبه أو يكترث لنا أحد، لا دولة ولا سواها، باستثناء بعض الإخوة المتطوعين الذين ساعدوا الناس”. (AFP)

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.