يورونيوز: منع الماكياج والرقص والاختلاط في بعض المدن السورية.. إطار تنظيمي أم تشدد ديني؟

بعد عام على تسلّم أحمد الشرع، قائد “هيئة تحرير الشام” سابقاً، مقاليد السلطة في سوريا، لم تعد النقاشات تقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل غزت أدق تفاصيل الحياة اليومية.
فقد أصدرت ثلاث جهات محلية ــ بلديتان ومحاتفظةـ سلسلة قرارات متتالية أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري، وفتحت باب نقاش حاد حول مفهوم الحريات الشخصية.
وسرعان ما تحولت هذه القرارات، الصادرة عن مجالس بلديات ودوائر تنفيذية، إلى محور احتكاك بين رؤى متعارضة: واحدة تدعو إلى “الحفاظ على القيم”، وأخرى تحذر من انزلاق البلاد نحو التضييق الاجتماعي في مجتمعٍ يشتهر بتنوعه العرقي والديني.
وكان أشدّها إثارة للجدل القرار الذي طال وادي بردى في ريف دمشق تلك البقعة الخضراء التي لطالما شكّلت متنفّساً اجتماعياً لسكان دمشق.
فلم يعد وادي بردى مجرد موقع جغرافي يُقصد للراحة والاحتفال، بل بات رمزاً للصراع بين نمطين من الحياة. ففي الثالث من فبراير 2026، أصدرت بلدية سوق وادي بردى قراراً يحظر “منعاً باتاً” استقبال أي مجموعة سياحية تقيم حفلات رقص مختلط أو تتضمن اختلاطاً بين الجنسين.
وشملت العقوبة إغلاق المنشأة وختمها بالشمع الأحمر، وقد بررت البلدية القرار بأنه استجابة لشكاوى الأهالي من الضجيج، ووسيلة لحماية “ثقافة المنطقة” من سلوكيات “دخيلة”.
ولكن هذا التبرير لم يقنع الكثيرين، الذين رأوا فيه محاولة لفرض وصاية أخلاقية تتجاوز حدود صلاحيات بلدية مسؤولة تقليدياً عن النظافة والتراخيص.
ولم يقتصر الأمر على وادي بردى. ففي مدينة التل بريف دمشق، أصدر مجلس المدينة قراراً يلزم محال بيع الملابس النسائية بتوظيف نساء فقط، ويمنع وجود أي بائع ذكر داخل هذه المحال تحت طائلة الإغلاق.
وفي خطوة أثارت موجة سخرية واسعة، منعت محافظة اللاذقية الموظفات من وضع الماكياج خلال الدوام الرسمي. وبررت المحافظة القرار بأنه ليس “منعًا” بل “تنظيماً للمظهر الوظيفي”، مؤكدة أنه لا يمس الحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري.
وأدت هذه القرارات إلى انقسام حاد في الرأي العام السوري. فبينما رحّب البعض بها كخطوات ضرورية لحماية القيم المجتمعية والهوية الثقافية، رآها آخرون مؤشراً خطيراً على انكماش الحريات الفردية في مرحلة كان يُفترض أن تشهد انفتاحاً بعد سنوات من الحرب.
وانتشرت على منصات التواصل الاجتماعي تعليقات ساخرة تصف هذه الإجراءات بأنها بداية لـ”أفغنة” الحياة الاجتماعية في سوريا.
وتنضم هذه القرارات إلى سلسلة سابقة أثارت موجات غضب مماثلة. ففي وقت سابق، تسبب قرار يقضي بفصل الطلاب عن الطالبات في المدارس باحتجاجات واسعة على منصات التواصل وخارجه. وسرعان ما تم التراجع عنه لاحقاً، وبقيت كما معمول بها سابقاً قبل سقوط نظام بشار الأسد.
كذلك، أصدرت وزارة السياحة في يونيو 2025 قراراً يفرض على النساء ارتداء “ملابس سباحة محتشمة” مثل البوركيني على الشواطئ العامة. إلا أن القرار قوبل بموجة غضب محلية ودولية، فسارعت السلطات إلى توضيح أن ارتداء البيكيني لا يزال مسموحاً في المنتجعات الخاصة من فئة الخمس نجوم، بينما ستخضع الشواطئ الشعبية لضوابط أكثر صرامة.
اليوم، يتخوف سكان مناطق أخرى من أن تمتد هذه القرارات لتصل إليهم، محذرين من أن يؤدي هذا النهج إلى تحويل سوريا، ذات التنوع العرقي والديني الغني، إلى مجتمع منغلق على نفسه.
ويعتبر كثيرون أن هذه الإجراءات لا تمثل سوى شريحة اجتماعية محددة، ولا تعكس روح المجتمع السوري الذي عرف تاريخياً بانفتاحه النسبي وتنوعه.
ويحذر مراقبون من أن هذه القيود قد تدفع بالسياحة الشبابية والعائلية غير المحافظة إلى البحث عن وجهات بديلة، مما يهدد بإيرادات سياحية كانت تعتبر من أهم مصادر الدخل في مرحلة التعافي الاقتصادي.
من الناحية الحقوقية، يرى حقوقيون أن مثل هذه القرارات تتجاوز الصلاحيات المحلية، إذ لا يجوز لبلديات أو محافظات أن تفرض قيوداً على الحريات الشخصية دون غطاء تشريعي واضح. (EURONEWS)