التلفزيون الألماني: لماذا لا يكفي صمت السلاح لتحقيق السلام؟ دروس من سوريا وأيرلندا الشمالية

 

في تقرير وثائقي بعنوان “هكذا يتحقق السلام”، يسلّط التلفزيون الألماني (ZDF) الضوء على حقيقة أن توقف الحروب لا يعني بالضرورة تحقق السلام، بل إن السلام هو عملية طويلة ومعقدة يصنعها البشر ولا يتحقق تلقائياً.

ويشير التقرير إلى أن دولاً مثل سوريا، التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب الأهلية، لا تزال تبحث عن طريقها نحو الاستقرار، في وقت تتواصل فيه نزاعات أخرى حول العالم مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في مناطق مختلفة.

ويؤكد معدّا الوثائقي، الصحفية كاترين إيغندورف والمخرج كارل غيرستورفر، أن السلام يبدأ عندما يتمكن الناس من بناء الجسور وحل النزاعات، وليس فقط عند صمت السلاح.

وفي استعراض لتجربة أيرلندا الشمالية، التي انتهى فيها النزاع المسلح قبل نحو ثلاثة عقود، يبيّن التقرير أن المجتمع لا يزال منقسماً حتى اليوم، حيث تفصل ما يُعرف بـ”جدران السلام” بين الأحياء الكاثوليكية والبروتستانتية في مدينة بلفاست.

ويستعرض التقرير قصة روبرت ماكليناغان، وهو ناشط سابق في الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، أمضى 12 عاماً في السجن بسبب أنشطة مرتبطة بالصراع. ويقول إن السلام في بلاده لا يزال هشاً، مضيفاً: “اليوم نصرخ في وجه بعضنا البعض بدلاً من أن نطلق النار”.

كما يعرض شهادات من أطراف مختلفة عاشت الحرب، من بينهم جندي سابق في الجيش البريطاني، وصف بلفاست في شبابه بأنها كانت “منطقة حرب”، حيث كانت الجثث تُشاهد في الشوارع، وسط صرخات واستغاثات يومية.

ويشير التقرير إلى أن مرحلة ما بعد الحرب تبدأ فعلياً عندما تتوقف الأسلحة، حيث تظهر تحديات جديدة تتعلق بكيفية التعامل مع الذاكرة الجماعية، إذ يرى البعض ضرورة تجاوز الماضي، بينما يعتقد آخرون أن مواجهته شرط أساسي لبناء مستقبل مستقر.

وفي سوريا، يسلّط التقرير الضوء على صعوبة تحقيق المصالحة بعد سنوات من الدمار، حيث لا تزال المجتمعات منقسمة، وتُطرح تساؤلات حول كيفية التعامل مع إرث الحرب.

وفي بلدة معلولا شمال دمشق، التي تُعد من أقدم المناطق المسيحية في العالم، لا تزال آثار الحرب واضحة بعد تدمير الكنائس والمساجد، ونزوح السكان لسنوات. وقد شهدت المنطقة أحداثاً مؤلمة، بينها اختطاف راهبات خلال سيطرة جماعات مسلحة.

ويبيّن التقرير أن الحوار بين الضحايا والجناة بدأ يظهر تدريجياً في بعض المناطق السورية، من خلال ما يُعرف بـ”حوارات مجتمعية”، إلا أن الآراء لا تزال متباينة حول كيفية التعامل مع الماضي.

فبينما يرى بعض القادة المحليين ضرورة التركيز على المستقبل، يؤكد آخرون أهمية محاسبة المسؤولين عن الجرائم، والتعلم من الماضي لضمان عدم تكرارها.

ويخلص التقرير إلى أن السلام الحقيقي يبدأ عندما يتم الاعتراف بالضحايا ومنحهم صوتاً، إذ لا يمكن شفاء الجراح النفسية العميقة دون مواجهة الحقيقة.

كما يستعرض الوثائقي تجارب دول أخرى، مشيراً إلى أن بناء السلام يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً مستمراً من المجتمع، وليس فقط اتفاقات سياسية، مؤكداً أن السلام يظل هشاً ما لم يتم العمل على ترسيخه بشكل دائم.

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.