هل يترك السوريون ألمانيا؟ أطباء يجيبون: “الواقع أقوى من التصريحات

في خضم الجدل السياسي المتصاعد حول عودة السوريين من ألمانيا إلى بلادهم، تتباين مواقف الكفاءات السورية العاملة في القطاع الطبي، بين من يرى أن الوقت ما يزال مبكرًا للعودة، ومن يدعو إلى حلول مرنة توازن بين الاستقرار في ألمانيا والمساهمة في إعادة إعمار سوريا.
وتبرز في هذا السياق آراء عدد من الأطباء والعاملين في طب الأسنان، الذين أجمعوا على أن مسألة العودة لا يمكن اختزالها في أرقام أو قرارات سياسية عامة، بل يجب أن تبقى مرتبطة بالظروف الفردية لكل شخص، وبالواقع الميداني داخل سوريا.
وترى طبيبة الأسنان سوسن طراف أن الحديث عن العودة في الوقت الحالي غير واقعي، مشيرة إلى أن سوريا لا تزال في بداية مرحلة إعادة الإعمار، في حين لم تستكمل هي شخصيًا مسار معادلة شهادتها واكتساب الخبرة المهنية في ألمانيا. وتؤكد أن مغادرة الكفاءات في هذه المرحلة قد يترك فجوات في النظام الصحي الألماني، مضيفة أن العودة قد تكون خيارًا مهمًا مستقبلاً، لكنها “ما تزال مبكرة حاليًا”.
من جانبه، يرفض طبيب الأسنان يامن أصلان اختزال النقاش في أرقام أو تصريحات سياسية، معتبرًا أن القضية الحقيقية تتمثل في كيفية دمج الكفاءات بشكل أفضل. ويشير إلى أن الطريق المهني للأطباء الأجانب في ألمانيا طويل ومعقد، وقد يستغرق ما بين خمس إلى ست سنوات، ما يعكس مستوى عالياً من الالتزام. كما يحذر من نقص الكوادر في بعض الولايات الألمانية، حيث أُغلقت عيادات بسبب غياب البدائل، مؤكدًا أن الحل يكمن في تقليل البيروقراطية وتوفير بيئة اندماج أكثر فاعلية.
بدورها، تؤكد مريم دحمش أن العودة يجب أن تبقى قرارًا فرديًا، لافتة إلى أن البنية التحتية في سوريا لا تزال غير مؤهلة لعودة واسعة النطاق. وتشير إلى أنها بنت حياتها في ألمانيا وما تزال في مرحلة مهمة من تطورها المهني والشخصي، ما يجعل فكرة العودة غير مناسبة في الوقت الراهن.
أما الدكتور أنس أكميناسي، فيطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى التخلي عن حياة مستقرة من أجل مستقبل غير مؤكد، معتبرًا أن مثل هذا القرار يشبه “مراهنة قد لا تنجح دائمًا”، خاصة في ظل غياب وضوح حقيقي بشأن الظروف المستقبلية في سوريا.
وتذهب مروة العيسى أبعد من ذلك، حيث تؤكد أن ألمانيا أصبحت وطنها الفعلي بعد سنوات من الاندماج وبناء الحياة المهنية والاجتماعية، مشددة على أن عودتها إلى سوريا “مستبعدة بشكل دائم”، وأن النقاش يجب أن يركز على دعم ودمج من استقروا بالفعل في المجتمع الألماني بدل الحديث عن إعادتهم.
وفي السياق ذاته، يلفت طبيب الأسنان عماد مسكينة إلى أن الوضع السياسي والأمني في المنطقة لا يزال هشًا، مشيرًا إلى أن التوترات الإقليمية المستمرة تجعل أي حديث عن عودة جماعية أمرًا غير واقعي في الوقت الحالي، خاصة في ظل غياب الاستقرار الكامل بعد سنوات الحرب.
في المقابل، يطرح عبد الرحمن أبو بكر مقاربة مختلفة تقوم على ما يُعرف بـ”الهجرة الدائرية”، والتي تتيح للكفاءات السورية العمل والمساهمة في إعادة الإعمار دون التخلي عن الاستقرار الذي حققته في ألمانيا. ويرى أن هذا النموذج قد يشكل حلًا عمليًا يوازن بين احتياجات البلدين، خصوصًا في ظل النقص الحاد في الموارد والبنية التحتية داخل سوريا.
وبين هذه المواقف المختلفة، يتضح أن القاسم المشترك بين معظم الآراء يتمثل في رفض التعميم، والتأكيد على أن قرار العودة يجب أن يبقى خيارًا شخصيًا، مرتبطًا بظروف كل فرد، وبمدى توفر الأمن والاستقرار وفرص العمل.
وفي وقت تتزايد فيه النقاشات السياسية حول هذا الملف، تبدو الرسالة الأبرز من هذه الكفاءات واضحة: الحل لا يكمن في فرض العودة أو التلويح بها، بل في إدارة ملف الهجرة بواقعية، توازن بين احتياجات سوق العمل الألماني، وتطلعات السوريين، وإمكانيات إعادة الإعمار في بلدهم الأم.