وسائل إعلام ألمانية تلتقي عائدين إلى سوريا .. ” شعرتُ بقشعريرة حين دخلتُ مدينتي “

بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح، بدأ آلاف السوريين اتخاذ قرار العودة الطوعية إلى بلادهم، مدفوعين بالأمل بمرحلة جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، رغم الدمار الواسع وصعوبة الظروف المعيشية.
عبد الله جبّار، البالغ من العمر 34 عامًا، أحد هؤلاء العائدين، يقول عن لحظة دخوله مدينته الرقة بعد غياب طويل: «شعرتُ بقشعريرة حين دخلتُ المدينة. هناك عشتُ طفولتي، وهناك بدأت ذاكرتي». ويضيف أنه يشعر بارتياح كبير لعودته إلى سوريا مع عائلته بعد سنوات من الغربة: «أنا سعيد لأن الحرب انتهت، ولأنني أستطيع أخيرًا أن أكون مع عائلتي في سوريا».
ويضيف أنه تمكن قبل أيام من التجوّل في بلده بحرية، وهو أمر كان مستحيلًا في السابق بسبب الخوف من أجهزة النظام. «اليوم لا نشعر بذلك التهديد، نشعر بالأمان».
عبد الله، وُلد في مدينة الرقة شمال شرقي سوريا، وفرّ منها أولًا إلى الإسكندرية في مصر قبل أن يصل إلى ألمانيا، حيث عاش في كولونيا منذ عام 2014.
وخلال إقامته كتب كتابًا بعنوان «الرقة على نهر الراين»، تناول فيه طفولته في ظل حكم الأسد وتجربته مع القمع والحرب، إضافة إلى مرحلة سيطرة تنظيم داعش على مدينته.
عمل عبد الله في المتحف الروماني–الجرماني في كولونيا، ونشط في مجال التبادل الثقافي بين السوريين والألمان، وحصل مع عائلته على الجنسية الألمانية عام 2019.
ورغم ذلك، قرر العودة إلى سوريا، حيث يقيم حاليًا في مدينة حمص في شقة متواضعة مع زوجته وطفله، مع اضطراره أحيانًا للعودة إلى ألمانيا لأسباب مهنية.
ويصف عبد الله واقع البلاد بأنه صعب، مشيرًا إلى الدمار الهائل الذي لحق بأحياء كاملة في حمص وحلب ودمشق، وانهيار أجزاء كبيرة من البنية التحتية، إضافة إلى ضعف الإمكانيات الاقتصادية.
ومع ذلك، يؤكد أن كثيرين يشعرون اليوم بحرية أكبر، وأن الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تحاول فرض سيادة القانون والتواصل مع المواطنين.
ورغم سوء الأوضاع الإنسانية، حيث تؤكد الحكومة الألمانية أن نحو 70% من السكان بحاجة إلى مساعدات، فإن الراغبين بالعودة الطوعية يمكنهم الحصول على دعم من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين ضمن برنامج REAG/GARP، الذي يشمل تكاليف السفر ومساعدات مالية أولية ودعمًا طبيًا عند الحاجة. ووفق بيانات المكتب، تقدّم نحو 5976 سوريًا بطلبات عودة طوعية خلال عام 2025، عاد منهم 3678 شخصًا حتى نهاية العام.
ويتحدث عبد الله عن التدمير المنهجي الذي طال أحياء تاريخية في حمص، حيث جرى قصفها ثم تهجير سكانها وبيعها لاحقًا لعصابات قامت بنهبها بالكامل. ومع ذلك، بدأت الحياة تعود تدريجيًا، إذ أنشأ السكان محالًا صغيرة وأكشاكًا وورشًا بسيطة وسط الأنقاض، في محاولة لإحياء مدينتهم.
أما مدينته الأصلية الرقة، فقد تمكن من زيارتها مؤخرًا بعد انسحاب القوات الكردية منها. ويصف لحظة دخوله المدينة قائلًا: «شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
هناك عشت طفولتي». ويأمل أن تشهد الرقة مرحلة جديدة من الإدارة الرشيدة، ومكافحة الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
ويختتم عبد الله حديثه بالتأكيد على تمسّكه بالمستقبل في بلاده، قائلًا إنه يطمح لمواصلة العمل في مجال الآثار والمتاحف، إلى جانب كتابة رواية جديدة عن حماية التراث الثقافي وإعادة إحياء المواقع التاريخية، معتبرًا أن تعافي سوريا «يحتاج إلى وقت، لكن الأمل عاد من جديد».
* صحيفة برلينر مورغن بوست