خبراء ينتقدون تصريحات الشرع المتعلقة بالموازنة .. صدمة كبيرة و أرقام غير دقيقة و فقدان للمنهجية و الشفافية

 

انتقد سياسيون وخبراء اقتصاديون تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع المتعلقة بالموازنة العامة والوضع الاقتصادي في البلاد.

وقال السياسي والأكاديمي والباحث السوري رضوان زيادة: “لا اريد ان اعكر صفو فرحة الناس والسوريين خصوصا بالعيد، ففرحتنا بالخلاص من الأسد تعطينا شعورا دائما بالبهجة والأمل”.

وأضاف في منشور مطول عبر حسابه في فيسبوك: “لكن ما قاله الرئيس الشرع أمام أعضاء مجلس الشعب في قصر الشعب في أول أيام العيد كان صادما إلى حد كبير، فكيف يكون لرئيس في نظام رئاسي وجمهوري أن يقر موازنة الدولة كما ذكر، هذا حصرا من اختصاص البرلمان، ربما لا يميز الرئيس بين الموازنة والميزانية فهناك فرق جوهري بين الموازنة (Budget) والميزانية (Balance Sheet) وهو لا يكمن فقط في التوقيت والهدف؛ فالموازنة خطة تقديرية مستقبليةللإيرادات والنفقات تُعد قبل بداية السنة المالية، بينما الميزانية تقرير فعلي تاريخي يُظهر المركز المالي للأصول والالتزامات الحقيقية للدولة في نهاية السنة، مجددا لا يكترث الرئيس للإعلان الدستوري الذي وقعه بنفسه عندما جعل من صلاحيات مجلس الشعب إقرار موازنة الدولة، التي تقر بعد ان يكون هناك نقاش وطني حول مشروع الموازنة الذي تقدمه الحكومة وبين الاولويات التي يعتقد اعضاء المجلس ان يجب تضمينها من مثل اولوية اعادة الإعمار وإغلاق المخيمات ورفع الأنقاض والعدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين.

فكيف يقر الشرع الموازنة دون ان نعرف ما هي بنودها وما هي أولويات الحكومة فيها، ما ذكره الشرع ان هناك مخصصات للبنى التحتية وإغلاق المخيمات وهذا جيد، لكن اين هي البنود التي تتعلق بتمويل الهيئات التي من شأنها ان تشوف على عملية الانتقال السياسي المؤسسي، فالعدالة الانتقالية هي اولوية للسوريين فما هو حجم التمويل المفترض لهذا العملية في هذا العام، وينطبق الأمر ذاته على قضية المفقودين فهناك مئات الالوف من المفقودين ينتظر الاهل والأحبة معرفة مصيرهم، فهل خصص بند في الموازنة لذلك، وايضاً الشرعية الثورية هي عملية مؤقتة تعقبها تحضير سورية والسوريين للانتخابات القادمة على مستوى منصب المحافظين والإدارة المحلية والبرلمان والانتخابات الرئاسية فهل هناك تمويل مخصص لتأسيس الهيئة العليا المستبقة للانتخابات التي يفترض بها ان تحضر السوريين لعملية انتخابية حرة ونزيهة في العامين القادمين، هل هناك بند في الموازنة لذلك ..وهكذا

فالموازنة ليست أبدا مجرد ارقام انها أولويات الحكومة والسياسات التي يدافع عنها رئيسها ولا يحق فقط بل يجب على كل الشعب المشاركة في كتابة بنودها وبالأخص اعضاء مجلس الشعب فهو المؤسسة التي يقرها في النهاية اما الأرقام الاقتصادية التي ذكرها الشرع، فلا تعدو ان تكون مجرد وعود غير قابلة للتحقيق أبدا فكيف يمكن ان يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسورية في عام ٥٠ مليار إذا لم يكن النمو الذي حققته سورية في العام الماضي متجاوزا النصف بالمائة وفقا لتقديرات البنك الدولي، اما الإنفاق الحكومي الذي تحدث عنه، فنحن لم نر ميزانية العام الفائت كي نعرف الواردات والنفقات وبالتالي يمكننا تقدير حجم الإنفاق الحكومي العام.

كل المدارس والمشافي التي افتتحها الوزراء في العام الماضي كانت بتمويل منظمات أهلية وغير حكومية فالإنفاق الحكومي اعتقد اقترب من الصفر ولذلك حققت سورية فائضا كما ذكر الشرع، لكن هذا شيء لا يدعو للفخر أبدا فإذا انت كبلد لديك مئات المخيمات وملايين المهجرين وعشرات المدارس والمشافي المدمرة ولا تعمل على بناءها واعادة إعمارها واذا كانت نسبة الفقر لديك تتجاوز ٩٠ بالمائة من الشعب، والمواطنون يشكون من غلاء الكهرباء حيث تفوق تكلفة الفاتورة قيمة الراتب الشهري فكيف يمكن لك ان تحقق فائضا وتفخر به، يجب ان يكون لديك عجز بمئات الملايين حتى تحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

على الرئيس ان يغير كل فريقه الاقتصادي وان يكون فريقا قريبا من الشارع قريبا من فقر السوريين وعجزهم، فريق يضع في أولويته مكافحة التضخم وغلاء الأسعار وضمان تحقيق الانتقال السياسي بمؤسسات ذات مصداقية ومشروعية لكن إذا استمرينا على مراكمة الأخطاء فلن يكون اليوم بعيدا حيث يتفاجأ الشرع بأنه خلق نظاما مغلقا غير قابل للإصلاح اعجز عن الانتقال إلى الشرعية السياسية عبر الانتخابات وعندها ندخل في دوامة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي مجددا.

على الرئيس ان يساعد نفسه اولا حتى نتمكن من مساعدته، وحتى يتحقق حلم السوريين الذي تحدث عنه”.

من جهته، قال الباحث الاقتصادي السوري ماركو علبي، عبر منشور في حسابه في فيسبوك: “توقعت بالأمس أن يظهر الرئيس اليوم ويتحدث عن التغيير الحكومي أو أن يقترب قليلاً من هموم الناس، أو على الأقل أن يكون أكثر شفافية ومنهجية، أو أن يكون أكثر واقعية في رفع سقف توقعات الناس وهو أضعف الإيمان لسلامة وأمن البلد وبالتالي سلطته أيضاً، لكن ما قاله بكُل صراحة فاجئني بشكل صاعق فمعظم حديثه افتقر للاتزان وللمنهجية وللشفافية ولعقلية رجل الدولة! وفي الشق الاقتصادي والمالي؛ أي اختصاصي سيرى فيه تضليلاً كبيراً جداً للناس”.

وأضاف علبي: الرئيس يقول تم إقرار موازنة عامة بالأمس، طبعاً هذا أول خطأ منهجي وهو خطأ كارثي، فلا يمكن إقرار موازنة عامة من طرف وزارة المالية، الموازنة تقوم المالية بإعداد مشروع قانونها، لأن الموازنة «قانون» وبغياب مجلس الشعب لا يستطيع الرئيس التوقيع عليها.

الرئيس يقول إن الموازنة ستكون 10.5 مليار دولار، وهو رقم مُضاعف عن الرقم الذي ذكره وزير المالية قبل شهرين (5 مليار) في لقاءه مع أحمد فاخوري (الرابط في التعليقات) ولا أعتقد أن المتغيرات منذ شهرين إلى الآن ستزيد الموازنة إلى الضعف، وهنا يُصبح وزير المالية مديناً بالتوضيح للسوريين كيف تم إعداد موازنة قبل شهرين بلغت 5 مليارات واليوم تبلغ 10.5 مليار؟

الموازنة زادت في سنة 2025 لسبب بسيط، وهو أن الموازنة المعتمدة في 2024 الـ3.2 مليار دولار، أضيفت إليها موازنة إدلب وبعض المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة الدولة في شمال سوريا (حوالي 1.3 مليار دولار) بالنتيجة 4.5 وإذا أضفنا إليها الوفر الذي تحدث عنه وزير المالية (0.5 مليار) فإن الرقم الذي قاله الوزير عن موازنة 2026 هو الأقرب للتصديق (5 مليار دولار).

الخطأ المنهجي الثاني، هو أن الموازنة بالنهاية هي مُجرد أرقام على الورق، بمعنى أن أي دولة تستطيع أن تضع الموازنة التي تريدها، ويعتمدها البرلمان، وخلال إعداد المالية واللجان البرلمانية للموازنة قبل إقرارها تتضمن الموازنة نسبة العجز (إذا كان الإنفاق أعلى من الإيرادات المتوقعة) أو نسبة الفائض (إذا كانت الإيرادات المتوقعة أعلى من الإنفاق) ثم بنهاية السنة يتم إجراء عملية تُسمى «قطع الحسابات» ويتم التحقق من العجز أو الفائض في الموازنة، وإذا ما كان هناك عجز أو فائض يتم ترحيله وتحميله للموازنة التي تليها. ولذلك يستطيع الرئيس أن يقول (مثلاً) قمنا بإعداد موازنة قيمتها 50 مليار دولار، لكن دون ذكر العجز المتوقع فإن قيمة الـ50 مليار دولار هي قيمة «اسمية» لا تحمل أي معنى بحد ذاتها، ما لم تُقرأ ضمن هيكلها: حجم العجز، مصادر التمويل، واقعية الإيرادات، وجودة الإنفاق. وفي غياب الشفافية وعدم وجود قطع حساب أو حتى عدم وضوح ترحيل الحسابات من الوفر في الموازنة الإثنا-عشرية السابقة، تتحول الموازنة من أداة إدارة مالية إلى أداة خطاب سياسي.

لم يكن لسوريا في سنة 2025 موازنة، الدولة اعتمدت ما يُسمى بالقاعدة الإثنا-عشرية (كل شهر بشهرو) وحين تُعتمد القاعدة الإثنا-عشرية، تُعتمد أرقام الموازنة السابقة بلا زيادة (آخر موازنة لبشار 3.2 مليار دولار) ولا يكون هناك فائض أو عجز لأن الفائض أو العجز كما قلنا يتم اعتماده قبل إقرار الموازنة لا بعدها، وما يحصل في حالة القاعدة الإثنا-عشرية بنهاية السنة أن لا «قطع حسابات يحصل» بل يحصل «ترحيل حسابات». ولذلك الفائض الذي تحدث عنه الرئيس هو وفر يجب ترحيله، لم يتم استثماره لأن السياسة النقدية والمالية العامة تخشى صرفه (لأنه بالليرة السورية مما يهدد الاستقرار الاصطناعي لسعر الصرف والمعتمد على تجفيف السيولة وحبس السيولة في المصارف).

الموازنة العامة تتضمن دائماً «الإنفاق الجاري والإنفاق الاستثماري»؛ أما الإنفاق الجاري فهو كُل ما هي مصاريف ثابتة للدولة (رواتب قطاع عام، النفقات التشغيلية للوزارات والمؤسسات (كالصيانة والطاقة والمشتريات الجارية)، وخدمة الدين العام (فوائد وأقساط). وهذا النوع من الإنفاق يُعدّ ذا طابع استهلاكي أو تسييري، أي أنه يهدف إلى ضمان استمرار عمل الدولة وتقديم الخدمات الأساسية، لكنه لا يخلق أصولاً إنتاجية مباشرة ولا يساهم بشكل مباشر في رفع القدرة الاقتصادية على المدى الطويل.

أما الإنفاق الاستثماري فهو ما يُوجَّه إلى تكوين الأصول الرأسمالية، مثل مشاريع البنية التحتية (طرق، كهرباء، مياه)، بناء المدارس والمشافي، الاستثمار في التكنولوجيا، وتمويل المشاريع الإنتاجية العامة. وهذا النوع من الإنفاق يُعدّ ذا طابع تنموي لأنه يساهم في رفع الإنتاجية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل على المدى المتوسط والطويل.
وبالتالي، فإن جودة الموازنة لا تُقاس فقط بحجمها أو بعجزها، بل أيضاً بـنسبة وتوازن الإنفاق بين الجاري والاستثماري، إذ إن هيمنة الإنفاق الجاري (خصوصاً غير المنتج) تُعدّ مؤشراً على ضعف الكفاءة المالية وتآكل القدرة التنموية للدولة.

الرئيس الشرع قال (إن صحت الأرقام) أن 40% من الموازنة (4.2 مليار دولار) ستتجه إلى الإنفاق الاستثماري (سمّاه بالتنموي وخصص قطاعات التعليم والصحة) مما يعني أن 60% (6.3 مليار دولار) هو إنفاق جاري، وهذا رقم يدل على اختلال التوازن بين الإنفاقين الجاري والاستثماري وعلى عدم كفاءة المالية العامة أولاً. ثانياً، من المشكوك به في ظل سياسة تجفيف السيولة أن تستطيع الدولة إنفاق 4.2 مليار دولار (بالليرة) على مشاريع تنموية، لأن ذلك يعني توسعاً نقدياً كبيراً في سنة واحدة؛ مما يهدد سعر الصرف الذي تتشبث الحكومة بتثبيته اصطناعياً من خلال رؤيتها المالية العامة وسياسة المصرف المركزي النقدية.

حتى بافتراض تنفيذ كامل الإنفاق الاستثماري البالغ 4.2 مليار دولار، فإن تخصيص 3 مليارات لصندوق موجه للمناطق الأكثر تضرراً يترك هامشاً محدوداً (نحو 1.2 مليار دولار) لباقي الجغرافيا السورية. هذا التوزيع يثير تساؤلات حول التوازن الإقليمي في الاستثمار العام، خصوصاً في ظل غياب معايير واضحة لتوزيع موارد الصندوق وآليات رقابته، وما إذا كان سيؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج التفاوتات التنموية أو معالجتها.

نأتي إلى أرقام الناتج المحلي؛ الناتج المحلي المُقدر من البنك الدولي في عام 2024 كان 21.4 مليار دولار، ثم توقّع البنك نمواً بنسبة 1% في سنة 2025، وهذا يعني أن الناتج المحلي في 2025 يُقدر بـ 21.6 مليار دولار. وحتى بتجاهل هذه الأرقام، الرئيس الشرع وقع بخطأ حسابي بسيط حيث قال أن الناتج نما بنسبة 35%، فهو وصل إذاً إلى 29.1 مليار دولار وليس إلى 32 أو 33 كما قال، ولو سلّمنا جدلاً، فإن وصول الناتج المحلي إلى مستوى 2010 (61.4 مليار دولار) كما توقع الشرع بنهاية 2026، فالنمو المتوقع هو 111%. المعروف أن النمو في الدول ما بعد النزاع يتراوح في السنوات الثلاثة الأولى بين 5-10%، وإذا حصلت معجزة تُسمى Rebound Growth فإن الارتداد الحاد يصل بالنسبة إلى 15%. وسوريا حسب تقديرات البنك الدولي يتوقع أنها حققت في سنتها الأولى 1% نمو فقط! إذاً نحن متخلفون عن النسبة الطبيعية بعد النزاع أقل شيء بـ 4 نقاط، وعن النسبة الأقصى بـ14 نقطة، وعن النسبة التي يقولها الشرع بـ110 نقاط!.

بالنسبة للزيادة في الرواتب، لن أتناول النسب والزيادات التي صُرفت انتقائياً ولم تستطع الدولة رغم ذلك جعل سُلّم رواتبها أكثر عدالة (بسبب وجود سُلّمين للرواتب واحد لهتش والآخر لعموم سوريا)، لكن رفع الرواتب مثلاً من 20 إلى 45 دولاراً لا يعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة، لأن المعيار الحقيقي هو القدرة الشرائية وليس القيمة الاسمية. في ظل بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، وعدم انعكاس تحسن سعر الصرف على الأسواق، فإن هذه الزيادة تتحول إلى زيادة شكلية، بل قد تترافق مع تراجع فعلي في الأجر الحقيقي. وفي هذه الحالة، تصبح التحويلات الخارجية مصدراً لتعويض الفجوة، لكنها تُستنزف ضمن اقتصاد مسعّر على مستويات أعلى من القدرة الحقيقية للدخل المحلي.

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.