تقارير: وضع هش للسوريين العائدين إلى سوريا قبل وبعد العودة

خلصت تقارير لـ”مركز الهجرة المختلطة” و”مركز وصول لحقوق الإنسان” أن أوضاعا هشة أساسا في بلدان الاستضافة أفضت إلى عودة سوريين إلى بلدهم، وأن الظروف في سوريا بعد العودة لا تزال هشة للغاية، فهناك نقص في السكن والرعاية وسبل المعيشة والخدمات.
عاد إلى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد حوالي 1.6 مليون سوري من دول الجوار بشكل أساسي، يزيد عن نصفهم قليلا من النساء، حسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي نشرت في 30 نيسان/أبريل. كما سُجلت عودة ما يفوق 1.9 مليون نازح من داخل سوريا إلى مناطقهم الأصلية.
وعاد سوريون من الخارج بشكل رئيسي من دول الجوار، بأعداد متقاربة من تركيا ولبنان، ما يزيد عن 600 ألف سوري من كل من البلدين، وما يفوق 280 ألف شخص من الأردن، وأعداد أقل من مصر وشمال أفريقيا. ما يمثل النسب التالية: أكثر من نصفهم من تركيا (56%)، تليها لبنان (30%) والأردن (9%). وخلصت عدة تقارير، واحد منها لـ”مركز الهجرة المختلطة” وتقارير أخرى لـ”مركز وصول لحقوق الإنسان” أن السوريين الذين عادوا عاشوا أوضاعا هشة في بلدان الاستضافة تأثرت عودتهم بها، وكذلك لا تزال أوضاعهم بعد العودة تشهد هشاشة حيث يعيشون معاناة لناحية نقص الخدمات والرعاية، في بلد يعاني وضعا اقتصاديا صعبا بعد حرب مدمرة.
وفصّل التقرير المعنون بـ”العودة وإعادة الاندماج في سوريا: الوطن تحت الضغط” هذه المسألة اعتمادا على مقابلات مع سوريين عائدين* من الخارج ومن مناطق النزوح، مع تتبع مسار العودة بدءا من ظروف ما قبل العودة وعملية اتخاذ القرار، ثم قرار العودة وتجربة ما بعد العودة. وركزت على الأبعاد الرئيسية لإعادة الإدماج: توافر السكن والخدمات وسبل العيش والوثائق والأمان والدعم الاجتماعي، إضافة إلى النوايا المستقبلية بشأن التنقل وخطط الاستثمار.
هشاشة في بلدان الاستضافة
وقرارات العودة، حسب التقرير، لا تتأثر بالأوضاع في سوريا فحسب، بل بالضغوط في البلدان المضيفة. وبالتالي هي خيار مقيد وليس خيار طوعي بالكامل في غياب بدائل قابلة للتطبيق. والعودة هي عملية مستمرة وليست غاية نهائية، وتتأثر أيضا بعدم اليقين القانوني، والصعوبات الاقتصادية وانخفاض فرص الحصول على الخدمات، وتغير بيئات السياسات في بلدان اللجوء.
والمعوقات المرتبطة في مناطق الاستقرار البديلة كانت متأثرة بقوة الروابط الاجتماعية فيها وبالقيود العملية أو القانونية الخاصة بالتنقل الداخلي وعبر الحدود. وتباينت الأوضاع القانونية حسب البلدان المضيفة، ما يشير إلى اختلاف كبير في أطر إدارة الهجرة والحماية بينها، فالأكثر شيوعا في تركيا كان منح الحماية المؤقتة، وفي لبنان كان الأكثر شيوعا وضع اللاجئ مع مؤشرات على عدم الاستقرار القانوني، أما في الأردن فكان الأكثر شيوعا منح صفة طالب اللجوء.
وبشأن الخدمات في بلدان الاستضافة، ما يقارب الثلث ممن هم في سن الدراسة حصلوا على التعليم. أغلبية طفيفة أفادت بانخراطها في العمل أثناء النزوح أو في الخارج مع تفاوت واضح بين الجنسين. وغالبا ما كان العمل للجميع غير مستقر بالإضافة إلى تباين كبير في تجارب سوق العمل، فكان العمل المؤقت أو العرضي هو الأكثر شيوعا. وكانت القطاعات التي تم العمل بها الأكثر شيوعا بالترتيب: الصناعة، الأعمال التجارية الصغيرة والخدمات، البناء، ثم الزراعة أو الرعي أو صيد الأسماك. وحسب الجنس، فإن الرجال شغلوا أكثر العمل في البناء، بينما النساء فقد عملن في الزراعة أو الرعي بالنسب الأعلى.
ولناحية المهارات المكتسبة التي سوف تساعد على إعادة بناء حياتهم من جديد في سوريا، فقد كانت محدودة لا سيما بين النازحين داخليا، فما يزيد عن الثلثين لم يكتسب مهارات جديدة في حين أن أكثر من نصف العائدين من الخارج لم يكتسبوا معارف جديدة مهنية. ونسب أقل من العائدين اكتسبوا مهارات في اللغات والمؤهلات المهنية والعملية أو اليدوية دون مؤهلات رسمية.
ووافق العائدون بنسب متقاربة، من الداخل والخارج، بأنهم شعروا بالأمان في البلدان التي استضافتهم، والعائدون من الأردن هم من رجحوا أكثر هذا الشعور، بنسب أقل قليلا العائدون من تركيا، فيما العائدون من لبنان كانت تصوراتهم سلبية أكثر عن الأمان هناك وربعهم فقط أعربوا عن الشعور بالأمان، حيث تصاعدت فيه الأعمال العدائية وحدثت ديناميكيات عودة ونزوح جماعي كشكل من أشكال الفرار، مثل ما حدث مع بداية آذار/مارس بعد توسع القصف الجوي الإسرائيلي، وهذا السياق المعقد يشير إلى أن البعض اتخذ قرار العودة الفورية استجابة لانعدام الأمان اللحظي أو لضغوط الإجلاء وفقدان المآوى والخدمات. وهذا ما يؤكده تقرير لـ”مركز وصول لحقوق الإنسان” الذي أحصى مقتل 41 سوريا و23 مصابا في لبنان بين 28 آذار/مارس حتى منتصف نيسان/أبريل، مع ترجيح أن يكون العدد الفعلي للضحايا أكبر، مشيرا إلى عوامل إضافية دعت للعودة منها تخلي أرباب العمل اللبنانيين عن العمال السوريين نتيجة الضغوط الاقتصادية العامة.
وعانى العائدون في بلدان الاستضافة المختلفة، بنسب متفاوتة حسب هذه البلدان، من مشكلات عدة أهمها التمييز، وعدم الارتياح والانسجام وغياب فرص إيجاد أفق مستقبلي، وعدم القدرة على كسب العيش، وهناك شريحة صغيرة اشتكت من ضغوط قانونية وإدارية واحتجاز. والعائدون من الخارج ارتبطت أوضاعهم أكثر بالإقصاء وسوء المعاملة وعدم المساواة. وتبقى الشروط الأسوأ للحياة في لبنان بالنسبة لهم ورغم أنه اتخذت فيه تدابير إدارية ميسرة لعودة السوريين إلا أن هذه الآليات موجودة في ظل تقلص مساحة الحماية وتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ما يثير تساؤلات حول اعتبار قرارات العودة طوعية تماما.
ولا تزال الأوضاع داخل سوريا تحد من مدى إمكانية اعتبار العودة آمنة أو طوعية أو مستدامة، حسب تقرير “مركز الهجرة المختلطة”، والذي يتفق معه تقرير “وصول” لحقوق الإنسان الذي أفاد بأن العائلات العائدة أبلغت عن شعور بالقلق وعدم اليقين، ومواجهة حاجات عاجلة من غذاء ومأوى ورعاية صحية ودعم نفسي، حيث إن الظروف في سوريا “لا ترقى إلى معايير السلامة والكرامة الطوعية”.
ولا تزال الاحتياجات الإنسانية واسعة النطاق، حيث يُقدّر عدد المحتاجين للمساعدة بنحو 15.6 مليون شخص اعتبارا من آذار/مارس 2026. ويُقدّر أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، واحتياجات إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار أمريكي، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من 50% منذ عام 2010. ولا يزال الوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية والتعليم والمياه والكهرباء، غير متكافئ ومحدودا في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المتضررة من النزوح المتكرر أو الأعمال العدائية المستمرة.
وتنعكس هذه القيود الهيكلية بشكل مباشر على تجارب العودة. وغالبا ما يعود العائدون إلى مساكن متضررة أو مدمرة، وقضايا عالقة تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات، وفرص معيشية محدودة، وعوائق تحول دون الحصول على الوثائق والخدمات العامة. والمخاطر تتمثل بشكل رئيسي في التعرض للذخائر غير المنفجرة، ومخاطر الاحتجاز، والقيود على الحركة.
والعودة واسعة النطاق تحدث بالتزامن مع استمرار النزوح، حيث لا يزال الملايين غير قادرين أو غير راغبين في العودة. وفي وقت يُنظر فيه إلى العودة في كثير من الأحيان على أنها علامة على الاستقرار، لكن فعليا هي متأثرة بالقيود الهيكلية والظروف غير المتكافئة والمفاضلات الصعبة.
ومن الناحية الإجرائية كانت العودة تلقائية في الغالب، و10 بالمئة من السوريين فقط عادوا بدعم من برامج العودة الطوعية. وبالنسبة للعائلات، فضل بعض أفرادها أحيانا البقاء في البلد المضيف، وتأثر قرار الأفراد فيها باختلاف حسابات المخاطر والفرص القانونية المتاحة، وقد يعكس هذا نوعا من إدارة المخاطر بحيث يبقى بعض الأفراد في الخارج كي يحافظوا على مصادر الدخل أو الوضع القانوني ويعود آخرون، ما يتيح للعائلات الحفاظ على مرونة الحركة في حال تدهورت الأوضاع مجددا. ومن بين أهالي حمص وإدلب العائدين بشكل خاص، ارتبطت العودة بمؤشر امتلاك العقارات، ما يبرز أنها كانت مرتبطة بفرص ملموسة لإعادة بناء الحياة.
وتشير نتائج ما بعد العودة أيضا إلى أن إعادة الإدماج تبدو أكثر تقدما على الصعيدين الاجتماعي والعاطفي مقارنة بالجوانب الاقتصادية والمادية. فيما لا يزال الضغط النفسي يشكل جزءا كبيرا من تجربة ما بعد العودة، حتى في ظل الروابط الاجتماعية القوية. كما يبدو أن النساء يتحملن عبئا نفسيا اجتماعيا أثقل. والتحدي الرئيسي عند العودة هو تأمين مصادر الدخل. ومن بين التباينات في المدن، تجدد العنف في حمص في 2025** وإغلاق طرق رئيسية وإخراج مستشفيات وسيارات إسعاف عن الخدمة. وفي إدلب، هناك نقص مستمر في المساكن والعمل، بينما في حلب هناك مؤشرات على توفير فرص عمل على المدى القصير لكسب العيش مع وجود طلب على عمالة إعادة الإعمار والنشاط الصناعي.
وبشكل عام، أعرب نحو ثلثي العائدين عن شعورهم بالأمان، وإن بتفاوت فالنسب للشعور بالأمان أعلى في حلب وحمص من إدلب. لكن تجدد النزاع في بعض المناطق، ومنها ما حدث في شباط/فبراير 2026*** في مناطق يسكنها أكراد، يظهر مدى قدرة الصراعات المحلية على عرقلة مسارات العودة وإضعاف فرص إعادة الإدماج. وبالنسبة للعائدين والراغبين في العودة على حد سواء، تجعل هذه الظروف العودة أقل قابلية للتنبؤ وأقل استدامة، ما يزيد من خطر انقطاعها.
وكان العمل المؤقت أو العرضي هو الأكثر شيوعا بعد العودة، يليه العمل بأجر منتظم، ثم العمل الحر أو امتلاك مشروع تجاري. والقطاعات المعنية بالترتيب هي الأعمال التجارية الصغيرة والخدمات، ثم البناء، يليها الصناعة. وأفاد 60 بالمئة أن الدخل لا يفي بالاحتياجات، فيما قال 16 بالمئة إنه ليس لديهم أي دخل. فيما القلق المتعلق بالغذاء كان عاما، وظروف السكن متفاوتة بين من يعيش في منازل أو شقق مكتملة بأسرة واحدة، وأكثر من أسرة في شقة أو في مبان غير مكتملة أو مهجورة.
وبرزت إشكالات فيما يتعلق بالتعليم، منها عمل الأطفال في سن الداراسة، وعوائق مالية أمام الدارسة إضافة إلى نقص في الوثائق، إضافة إلى أن إعادة الإدماج المدرسي قد تنطوي على عقبات إدارية ولغوية إضافية للعائدين من الخارج. ولم تصل المساعدة بعد العودة إلا إلى نسبة ضئيلة من العائدين. وعندما تم تلقي الدعم، كان يقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية، وغالبا ما كان يُنظر إليه على أنه ذو فائدة محدودة أكثر من كونه مُغيّرا للحياة. والأغلب بحاجة لدعم نقدي غير مشروط، ثم مساعدة في السكن أو الأرض، ثم المساعدة في مشروع تجاري، ثم المساعدة في إيجاد وظيفة، ثم الدعم الصحي والقانوني.
وحسب تقرير “مركز الهجرة المختلطة”، عندما قيّم العائدون وضعهم بشكل أشمل، ظلت الصورة متباينة. كان الرضا عن الحياة الحالية أكثر شيوعا من عدم الرضا، ومع ذلك، لم يشعر الكثيرون بأن عودتهم قد حسّنت من أوضاعهم مقارنة بما قبل نزوحهم أو مغادرتهم سوريا. وعلى الرغم من الهشاشة الواضحة في معظم بيانات ما بعد العودة، إلا أن نظرة العائدين للمستقبل كانت تميل أكثر نحو البقاء في سوريا بدلا من التنقل مجددا، والتركيز للأشهر والسنوات القادمة على استثمارات متواضعة. (infomigrants)