عائدون من ألمانيا يحذرون: سوريا لا تزال تعاني.. ولا ننصح أحداً بالعودة حالياً
دمشق – تبدأ يوم الأربعاء أعمال مؤتمر وزراء الداخلية الألمان (IMK) في مدينة هامبورغ، حيث يعتزم وزراء الولايات الست عشرة مناقشة مستقبل المهاجرين السوريين في ألمانيا.
ويعيش في ألمانيا حالياً نحو مليون سوري، بينهم 10 آلاف شخص يحملون إقامة متسامح بها (Duldung). وإلى جانب المطالبة بترحيل المجرمين، تدعو ولاية هيسن أيضاً إلى إعادة آلاف السوريين الآخرين. كما يريد وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت (56 عاماً – CSU) أن تقدم الولايات بحلول الخريف مقترحات قانونية لكيفية تنفيذ عمليات الترحيل بشكل أكثر فاعلية.
تحدثت صحيفة «مونشنر ميركور» التابعة لشبكة Ippen.Media مع عدد من الأشخاص في العاصمة السورية دمشق. ومن بينهم المهندس التقني الألماني-السوري أسامة صالح (59 عاماً)، الذي عاد إلى سوريا قبل أكثر من عام.
ويقول صالح إن «الوضع الاقتصادي في سوريا لا يزال متوتراً»، موضحاً أن ذلك ينعكس على سوق العمل ويشكل تحدياً للكثيرين، بمن فيهم العائدون من ألمانيا.
وأضاف: «بالنسبة للوظائف الاعتيادية، يتوفر عدد كافٍ من العاملين. أما عندما تحتاج سوريا إلى كفاءات متخصصة، فإن عودة السوريين المؤهلين من ألمانيا ستكون مفيدة بالتأكيد للبلاد، لكن لا توجد حالياً ضرورة ملحّة لاتخاذ مثل هذا الإجراء».
وفي تعليقه على مواقف الاتحاد المسيحي CDU/CSU قال: «من الواضح أن الاتحاد يسعى إلى التقرب من الطيف اليميني. ومنذ فترة طويلة يهدف إلى إخراج السوريين أو جميع طالبي اللجوء من البلاد».
ويرى صالح أن الحلول المناسبة لا تُطرح أصلاً للنقاش داخل الاتحاد، مضيفاً: «إن إنشاء برنامج للعودة سيكون خطوة منطقية للأشخاص الذين يرغبون فعلاً في العودة. لكن المشكلة أن الحكومة الألمانية، وخصوصاً وزارة الداخلية، حرمت السوريين حتى الآن من إمكانية زيارة سوريا مسبقاً للاطلاع على الأوضاع واتخاذ قرار العودة».
ويشير إلى أن السوريين المقيمين في ألمانيا قد يفقدون وضعهم القانوني إذا سافروا إلى وطنهم الأصلي.
وأكد صالح أن من الضروري إنشاء برنامج مخصص للعائدين طوعاً، قائلاً: «مثل هذا البرنامج سيساعد على تحديد عدد كبير من الأشخاص المستعدين للعودة إلى سوريا. وليس من المجدي إجبار الناس على العودة إلى وطنهم، فذلك يأتي بنتائج عكسية. بدلاً من ذلك يجب دعم من يرغبون بالعودة وتمكينهم من بناء حياة جديدة هنا».
من جانبه، يرى محمد ق. (31 عاماً) من دمشق، الذي عاد إلى سوريا قبل أكثر من عام وتمكن من العثور على عمل، أن القضية معقدة للغاية.
وقال: «لا يوجد حل يرضي الجميع. فمن جهة، من المفهوم أن تقوم ألمانيا بمراجعة أوضاع الأشخاص الذين ربما لم يعودوا بحاجة إلى الحماية أو لا يملكون حق إقامة دائم. ومن جهة أخرى، يعيش كثير من السوريين منذ سنوات في ألمانيا، ويعملون أو يدرسون وأصبحوا جزءاً من المجتمع. لذلك أرى أن من الأفضل دراسة كل حالة على حدة بدلاً من اتخاذ قرار عام يشمل الجميع».
وأضاف: «سوريا بحاجة إلى مواطنيها، وخصوصاً الأطباء والمهندسين والمعلمين والحرفيين. فالبلد الذي عاش سنوات طويلة من الحرب يحتاج إلى أبنائه لإعادة الإعمار. لكن لا يمكن إجبار أحد على العودة إذا كان لا يشعر بالأمان أو لا يرى مستقبلاً له ولعائلته هناك».
ويرى محمد أن الأمر يعتمد على الوضع الحالي في سوريا وعلى الظروف الفردية لكل شخص.
وقال: «إذا كانت بعض المناطق آمنة فعلاً ولم يعد لدى شخص ما سبب للحماية، فقد يكون الترحيل مفهوماً من وجهة نظر الدولة. لكن سوريا لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، ولذلك يجب دراسة كل حالة بعناية وعدم تعميم القرار على الجميع».
وأضاف أن الحديث عن فرص البقاء مفهوم بالنسبة للأشخاص الذين بنوا حياتهم في ألمانيا واندمجوا فيها على مدى سنوات.
وأشار إلى أن سوريا تحتاج إلى جميع الكفاءات الموجودة في الخارج، لكنه اعتبر أن الفئة التي تستهدفها ألمانيا بالترحيل غالباً ستكون العاطلين عن العمل والمجرمين، قائلاً: «عودتهم ستكون عبئاً اقتصادياً وأمنياً على سوريا».
أما فوزي (36 عاماً) من دمشق، وهو رجل أعمال يعمل لحسابه الخاص، فأبدى تشاؤمه قائلاً: «ليس من المناسب إطلاقاً أن تقوم ألمانيا بإعادة السوريين بشكل جماعي. بل إنني أنصح أصدقائي حالياً بعدم العودة، لأن الاقتصاد والنظام الصحي والعديد من متطلبات الحياة الأساسية لا تزال في وضع صعب».
وأضاف أنه فكر سابقاً في الهجرة إلى ألمانيا، لكنه تراجع عن الفكرة بعد سقوط نظام الأسد.
وقال: «إذا كانت ألمانيا تريد التخلص من السوريين، فعليها أن تطلق مشاريع تنموية في سوريا وتوفر فرص عمل لهم، بحيث يعودون كقوى عاملة مؤهلة».
أما وديعة (31 عاماً) من دمشق، وهي مدرسة لغة ألمانية، فقالت: «بالنسبة لي، هذا النقاش معقد للغاية، ولا يحتاج إلى مواقف عاطفية بل إلى تقييم مهني».
وأضافت: «سوريا تحتاج إلى الكفاءات، لكنها تحتاج أكثر إلى المساعدات المالية لدفع عملية إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد».
وأوضحت أنها تخطط للسفر إلى ألمانيا لمتابعة دراسة الماجستير في اللغة الألمانية، لكنها تنوي العودة إلى سوريا بعد ذلك.
من جهتها، قالت المعلمة السورية الكردية جيهان س. (32 عاماً) من حلب: «يجب أن يركز النقاش على حق السوريين في تقرير مصيرهم، وعلى ضمان عودة آمنة لمن يرغبون بذلك. كما يجب محاسبة المجرمين الذين فروا مؤخراً إلى ألمانيا هرباً من الملاحقات القضائية الجارية بحقهم».
ويرى جميع المشاركين في الاستطلاع أن سوريا بحاجة إلى كفاءاتها البشرية.
وقالت جيهان: «نعم، سوريا تحتاج إلى أصحاب الشهادات الجامعية والمهندسين وغيرهم من الكفاءات المؤهلة لتسريع عملية إعادة الإعمار».
وأضافت أن ذلك سيؤثر سلباً على الاقتصاد الألماني، موضحة: «وجود السوريين في ألمانيا يفيد ألمانيا أكثر مما يفيد سوريا، وبالتالي فإن عودتهم ستشكل خسارة لألمانيا».
وأشارت إلى أنها ترغب في زيارة ألمانيا كسائحة فقط، «وليس من أجل طلب اللجوء أو الحصول على المساعدة. أفضل البقاء هنا على أن أبدأ حياتي من جديد في بلد آخر وأمضي سنوات في بناء حياة تناسبني».