الرئيس التنفيذي لشركة «فولكس فاجن»، أوليفر بلوم، وصف هذا التحول بأنه «أكبر تحول شهده قطاع صناعة السيارات على الإطلاق».
فلمواجهة الضغوط التكنولوجية والديموغرافية والتنافسية المتسارعة والمتداخلة، يدرس بلوم حالياً إغلاق أربعة من مصانع الشركة في ألمانيا، ما قد يؤدي إلى تسريح ما يصل إلى 100 ألف موظف.
ولا يمكن لعمال فولكس فاجن الادعاء بعدم وجود تحذير مسبق. فقبل أسبوع تقريباً من تسريب خبر إعادة الهيكلة الشهر الماضي، صرح بلوم للمساهمين بأن المجموعة «وضعت خطة واضحة للمستقبل».
وتشمل الإجراءات الاستراتيجية لجعل المجموعة: «أسرع وأكثر فعالية»، و«عمليات أكثر كفاءة»، و«مسارات اتخاذ قرارات أكثر وضوحاً».
تكمن المشكلة في أن مستقبل فولكس فاجن، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الشركات، غير واضح، ولن تجدي أي خطط نفعاً في توضيحه. لا تحتاج «فولكس فاجن» إلى المزيد من صناع القرار، بل تحتاج إلى المزيد من القادة ذوي الرؤية الثاقبة.
إن فهم الواقع هو أسلوب لفهم المواقف غير المؤكدة والمتغيرة بسرعة، بعبارة أخرى، التأقلم مع العالم كما هو. القادة الذين يتبنون هذا الأسلوب يطورون فهماً مشتركاً للواقع الجديد بسرعة، ما يمنح أعضاء الفريق الثقة للمضي قدماً.
كان رائد هذا النهج، والذي كان سيضحك من هذا العنوان، عالم النفس والمنظر كارل ويك، الذي توفي في مايو عن عمر يناهز 89 عاماً.
وكتبت كاثلين ساتكليف من كلية جونز هوبكنز كاري للأعمال، في واحدة من عشرات كلمات التأبين التي كتبت رثاءً له على الإنترنت: «بينما تساءل الآخرون عن كيفية اتخاذ المؤسسات للقرارات، وتخصيص الموارد، ومعالجة المعلومات، طرح كارل سؤالاً أكثر إثارة للقلق: كيف يفهم الناس ما يحدث أصلاً؟».
وركز جزء كبير من أعمال ويك على الأزمات، كما في كتابه المؤثر «إدارة غير المتوقع» الذي شارك في تأليفه مع ساتكليف، وعلى الكيفية التي تنجح بها «المؤسسات عالية الاعتمادية»، مثل مراكز مراقبة الحركة الجوية أو المحطات النووية، في تجنب وقوع الأزمات.
لكن موجات الاضطراب المتلاحقة، من الجائحة والحروب للتضخم والذكاء الاصطناعي، جعلت أفكاره أكثر قابلية للتطبيق على قادة جميع المؤسسات. فالكثير منهم بات غارقاً فيما يبدو كأنه إدارة أزمة لا تنتهي. ويحثهم المعلقون باستخفاف على ممارسة «القدرة على التكيف» و«المرونة»، لكن أعمال ويك تقدم تصوراً عملياً لكيفية تحقيق ذلك.
ومن أشهر أبحاثه دراسة تناولت حريق غابات «مان جالتش» القاتل في ولاية مونتانا عام 1949، لتوضيح كيف يمكن للارتباك أمام التحديات غير المتوقعة أن يقود إلى الكارثة. فقد حاصرت النيران السريعة فريقاً مكوناً من 16 رجل إطفاء، ولم ينج منهم سوى ثلاثة، بعدما فشل معظمهم في الامتثال لأمر قائدهم بـ«إلقاء أدواتهم»، التي كانت تعيق هروبهم.
فكروا في مهندسي فولكسفاجن الذين تشكلت خبراتهم داخل تقاليد وعمليات وهياكل تنظيمية امتدت نحو قرن من صناعة السيارات الناجحة والمربحة.
واليوم، وفي مواجهة المنافسة الصينية المتنامية في سوق السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة، يطلب منهم، مجازاً، أن يتخلوا عن أدواتهم القديمة وأن يتبنوا أساليب تبدو مناقضة لما اعتادوا عليه.
لذلك لا ينبغي أن يكون مستغرباً إذا انتابهم، مثل رجال إطفاء «مان جالتش»، ذلك «الشعور المقلق بأن المسميات القديمة لم تعد صالحة»، على حد تعبير ويك في دراسته عن الكارثة.
أي نوع القيادة التي تتطلبها هذه اللحظة الحرجة؟ لا «ثقة مفرطة» ولا «حذر مفرط». كتب ويك: «كلاهما قد يدمر ما تحتاجه المؤسسات في الأوقات المتغيرة، ألا وهو الفضول والانفتاح والإدراك المعقد».
وكان ويك حريصاً على دراسة فعل «التنظيم» بوصفه عملية ديناميكية متحركة، لا دراسة المؤسسات باعتبارها هياكل جامدة.
وقد أدرك أن مواجهة المجهول تعني أحياناً أن الطريق إلى الأمام لا يكون باتباع خريطة جاهزة، بل باتخاذ خطوة ثم التعلم من نتائجها.
وبصفته من عشاق موسيقى الجاز، استخدم هذا النوع الموسيقي لتوضيح وجهة نظره: يتطور الأداء مع عزف الموسيقيين، مرتجلين ضمن إطار متفق عليه من النغمة والإيقاع الموسيقيين.
وفي طبعة عام 2015 من كتاب «إدارة غير المتوقع»، أعرب هو وسوتكليف عن استيائهما من فكرة أن على المؤسسات «التغيير أو الفناء». وبدلاً من ذلك، دعوا إلى «التكيف المستمر».
وفي المقابلات والتقارير، وصف بلوم بأنه مستمع جيد بشكل استثنائي. وهذا يصب في مصلحة «فولكس فاجن». فإحدى السمات الرئيسية للمؤسسات التي تدار بكفاءة هي اليقظة الذهنية، ليس في جلسات التأمل المنتظمة، بل الانتباه الشديد لأي إشارات قد تنذر بوجود مشكلات.
ويعتمد مستقبل فولكس فاجن الآن على قدرة أوليفر بلوم على تنمية قدرة الارتجال لديه ولدى موظفيه لمواجهة التحديات الجسام التي تواجههم، وعلى استعداده لتصحيح المسار إذا لم تفض «مسارات اتخاذ القرار الواضحة» إلى نتيجة.
وقد لا ينجح، بسبب تجذر ثقافة فولكس فاجن الصناعية بعمق. ولكن مثل قادة الأعمال في كل مكان، ليس أمامه خيار سوى المحاولة، والاستمرار في المحاولة، لأنه، كما كتب ويك ذات مرة، «ما إن يفهم الناس العالم حتى يصبح هذا الفهم قديماً».