زهور لا وجود لها في سوق بـ7.15 مليارات دولار
على منصات التسوق، تظهر صور أزهار تبدو كأنها خرجت من حلم: دوار شمس بألوان قوس قزح، أوركيد على هيئة وجه قطة، أوراق تتفتح كالفراشات، ونباتات بألوان لا يعرفها عالم النبات. الصورة جميلة، والسعر غالبًا صغير، لكن المشكلة أن الزهرة نفسها غير موجودة.
بحسب تقرير «404 ميديا»، يستخدم محتالون صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لبيع بذور نباتات خيالية على منصات مثل «إيباي» و«أمازون» و«إتسي». الخدعة ليست جديدة تماماً، فبيع البذور المزيفة سبق أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن الجديد أن إنتاج مئات الصور المدهشة صار أسهل وأسرع وأرخص، حتى تحولت الزهرة المستحيلة إلى إعلان قابل للبيع خلال دقائق.
خدعة بطيئة
الاحتيال في البذور يختلف عن غيره، فحين يشتري الإنسان هاتفاً مزيفاً أو حذاءً رديئاً، قد يكتشف الخدعة سريعاً، أما في حالة البذور، فهي تحتاج إلى وقت. يزرعها المشتري، يسقيها، ينتظر أياماً وربما أسابيع، ثم يبدأ في لوم نفسه ويتساءل إذا أخطأ في التربة، أو قلل من الضوء، أو حتى بالغ في الري، وحين يدرك أن المشكلة ليست في الزراعة بل في الوعد، تكون نافذة الإرجاع قد أُغلقت غالباً، ويكون البائع قد انتقل إلى ضحية أخرى.
سوق واسع
تأتي هذه الحيلة داخل سوق ضخم. تشير «غراند فيو ريسيرش» إلى أن سوق بذور الحدائق عالمياً بلغ نحو 7.15 مليارات دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 11.38 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي 5.4%. كما تقدر «ستاتيستا» أن تجارة الحدائق والعشب عبر الإنترنت حققت إيرادات عالمية بنحو 80.9 مليار دولار في 2024.
هذه الأرقام لا تعني أن كل السوق ملوث بالاحتيال، لكنها تشرح لماذا تجذب البذور والنباتات المحتالين: جمهور واسع، شراء عاطفي، وأسعار منخفضة نسبيًا تجعل كثيرين لا يلاحقون الشكوى.
وفي خلفية أوسع، تكشف أرقام «لجنة التجارة الفيدرالية» في الولايات المتحدة أن المستهلكين أبلغوا عن خسائر احتيال تجاوزت 12.5 مليار دولار في 2024، بزيادة 2.5 مليار دولار عن العام السابق. الاحتيال إذن لم يعد هامشًا صغيرًا في الاقتصاد الرقمي، بل صناعة قائمة، والذكاء الاصطناعي يمنحها أدوات أسرع.
صور تصدق
المشكلة أن العين اعتادت تصديق الصورة. لسنوات طويلة، كانت الصورة دليلًا على وجود الشيء. أما الآن، فيستطيع المحتال أن يكتب وصفاً قصيراً لأداة توليد صور، فيحصل على زهرة مثالية، وكل ما تحتاجه الصورة هو أن تكون جذابة بصرياً، وليس صحيحة علمياً، وحين تُضاف إليها كلمات مثل «نادرة»، «عضوية»، «استوائية»، «محدودة الكمية»، يصبح الخيال منتجاً هنا يبيع لحظة اندهاش.
وقد حذرت «مالويربايتس»، المنصة الرائدة لأخبار الأمن السيبراني، من أمثلة مثل «أوركيد وجه القطة»، وهي صور تبدو لطيفة ومثيرة، لكنها لا تمثل نباتاً حقيقياً. وذكرت «سايبرنيوز»، موقع أخبار التكنولوجيا، أن بعض هذه الخدع لا تقف عند خسارة ثمن البذور، بل قد تمتد إلى متاجر وروابط مشبوهة تعرض بيانات الدفع وكلمات المرور للخطر.
خطر نباتي
قد يبدو الأمر طريفاً: شخص اشترى بذور زهرة تشبه القطة، فاكتشف أنها لا تنبت. لكن الخطر لا يقف عند المال، فالبذور مجهولة المصدر قد تحمل آفات أو أمراضاً نباتية، أو قد تكون أنواعاً غازية تضر بالبيئة إذا زُرعت بلا فحص.
وتحذر «وزارة الزراعة الأمريكية» من أن البذور والنباتات المستوردة عبر التجارة الإلكترونية قد لا تستوفي شروط الاستيراد، وقد تحتوي على آفات أو أمراض تضر بالزراعة والموارد الطبيعية. كما توصي إرشادات «جامعة ولاية بنسلفانيا» بعدم التعامل مع البذور الغامضة باستخفاف، لأن الجهات المختصة تفحصها لتحديد الأنواع وتقييم مخاطر الآفات أو الأمراض أو الصفات الغازية.
وليست كل بذرة على الإنترنت بداية حياة، بعضها مجرد كيس صغير، يزرع في التربة خيبة، وفي الشاشة زهرة لا تموت لأنها لم تولد أصلاً.