منظمة العفو الدولية : سوريا .. أوقفوا العمل بقانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد الأسد إلى حين تعديله

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه يتعين على السلطات السورية تعليق العمل بالقانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي أقرّته حكومة بشار الأسد السابقة، وإدخال تعديلات جوهرية عليه ليصبح متوافقًا مع التزامات سوريا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.  وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت في يونيو/حزيران 2026، مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، وفرضت بعض القيود على تطبيقه، إلا أن السلطات لا تزال تستخدمه لتقييد الحق في حرية التعبير.

وثّقت منظمة العفو الدولية خمس حالات لصحفيين ونشطاء احتجزوا بسبب تعبيرهم عن آرائهم على الإنترنت، خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، ولمدد وصلت إلى سبعة أيام، بموجب قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022. وألقي القبض على الأشخاص الخمسة استنادًا إلى أحكام في القانون تُجرّم التعبير السلمي على الإنترنت، من خلال جرائم مصاغة بعبارات فضفاضة وغامضة، من بينها “النيل من هيبة الدولة”، و”النيل من مكانة الدولة المالية”، و”القدح والذم الإلكترونيين”.  ويواجه اثنان منهم ملاحقات جنائية قد تُفضي إلى أحكام قاسية بالسجن.

وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “منذ سقوط حكومة الأسد، تمكن المجتمع المدني السوري من خلق مساحة لممارسة الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، بالرغم من الإطار التشريعي القمعي القائم. من المثير للقلق أن السلطات الانتقالية واصلت استخدام قانون الجرائم الإلكترونية القمعي الصادر في عهد الأسد ضد الأشخاص الذين ينتقدون السلطات السورية. وبينما يكفل الإعلان الدستوري لعام 2025 الحق في حرية التعبير، فإن استمرار تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية يعرّض منتقدي السلطات لخطر الاعتقال والملاحقة القضائية لمجرد تعبيرهم عن آراءهم على الإنترنت.

أعلنت السلطات مرارًا عزمها على بناء سوريا جديدة، واتخذت عدة خطوات إيجابية لطي صفحة الماضي القمعي؛ إلا أن استخدام القوانين الموروثة والمسيئة لردع وتقييد الحوار العام والنقاش والنقد يقوّض هذا المسار بشدة. وبعد تشكيل البرلمان، ينبغي منح الأولوية لإصلاح الإطار التشريعي القمعي الموروث بما يجعله متوافقًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بدءًا من الأحكام المسيئة الواردة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 وقانون العقوبات. لا يجوز أن يُعتقل أي شخص أو يُلاحق قضائيًا أو يُعاقب لمجرد تعبيره السلمي عن آرائه على الإنترنت”.

في 21 يونيو/حزيران 2026، أعلنت وزارة العدل تشكيل لجان قانونية وفنية لإعادة دراسة عدد من القوانين، من بينها قانون الجرائم الإلكترونية.

أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع ستة أشخاص: شخصان اعتُقلا بسبب ممارستهما لحقهما في التعبير عن آرائهما، وشخصان مطلعان على حالات اعتقال إضافية، ومحاميان قدما معلومات عن قضايا ذات صلة. كما اطاعت المنظمة على ملخصات لوثائق المحكمة، وتقارير صادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية، وتغطيات نشرتها وسائل إعلام موثوقة، فضلًا عن بيانات وتعليمات رسمية صادرة عن السلطات.

قيود جديدة على التوقيف الاحتياطي وضمانات أخرى

أعلنت السلطات اعتماد بعض الضمانات الإجرائية المتعلقة بتطبيق قانون الجرائم الإلكترونية. ففي 26 يونيو/حزيران، أصدرت وزارة العدل تعميمًا يُلزم بالحصول على إذن قضائي قبل الشروع في التحقيقات المتخصصة في الجرائم الإلكترونية، ويحظر التوقيف الاحتياطي إلا في ظروف استثنائية، من بينها “الحيلولة دون طمس الأدلة، أو التأثير على الشهود، أو درء خطر محدق بالمجتمع أو المجني عليه”.

يقيّد التعميم أيضًا إصدار أوامر إذاعة البحث عن المطلوبين ويحصرها في الحالات الاستثنائية، وينص على مراجعة إذاعات البحث السابقة في جرائم المعلوماتية. ومع ذلك، ورغم هذه الضمانات الإجرائية، يجيز قانون الجرائم الإلكترونية التدخل في الحق في الخصوصية، ويفرض عقوبات بالسجن على مرتكبي مخالفات تتعلق بالتعبير تتمتع بالحماية بموجب الحق في حرية التعبير.

ورغم أن التعميم يقيّد، على نحو مناسب، إحالة بعض الجرائم المتعلقة بالتعبير على الإنترنت إلى الضابطة العدلية المختصة، فإنه لا يضمن إجراء التحقيقات والملاحقات القضائية في هذه الجرائم، بما فيها القدح والذم والتحقير، بما يتوافق تمامًا مع الضمانات التي يكفلها الحق في حرية التعبير. وبناءً عليه، تدعو منظمة العفو الدولية إلى تعليق العمل بالقانون تمامًا إلى حين تعديله.

في 21 يوليو/تموز 2026، اعتُقل مازن عرجا، وهو ناشط من مدينة إدلب، بعد مراجعته فرع جرائم الإلكترونية في دمشق إثر استدعائه. وبحسب المعلومات المتاحة علنًا، قد يكون القبض عليه مرتبطًا بإعلانه نيته الترشح للرئاسة. ولا اعتقال مازن عرجا مع تعميم وزارة العدل، لأن المعايير التي تبرر التوقيف في الحالات الاستثنائية لا تنطبق عليه.

كذلك وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال مازن عرجا تعسفيًا بأمر من النيابة العامة في إدلب في يوليو/تموز 2025، على خلفية منشور على فيسبوك تناول فيه الطريقة التي عامله بها النظام القضائي. واحتُجز لمدة 63 يومًا بتهمة “النيل من هيبة القضاء”. وألقي القبض عليه مجددًا في أبريل/نيسان 2026، إثر شكوى تقدم بها وزير الصحة السابق، ووجهت إليه تهم “النيل من هيبة الدولة، ومكتب رئاسة الجمهورية، ومكتب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الذي يرأسه ماهر الشرع”، بسبب منشور على فيسبوك وصف فيه العلاقة بين وزير الصحة السابق وماهر الشرع في يناير/كانون الثاني 2025.

بموجب القانون الدولي، لا يجوز للسلطات إبقاء الأشخاص الخاضعين لتحقيق جنائي أو المنتظرين للمحاكمة رهن التوقيف الاحتياطي إلا كتدبير استثنائي تقتضيه الضرورة القصوى، واستنادًا إلى تقييم لكل حالة على حدة.

يجب على السلطات تقديم أدلة تثبت أن التوقيف ضروري ومتناسب بسبب وجود خطر كبير يتمثل في إمكانية الفرار، أو إلحاق الأذى الجسيم بالآخرين، أو تكرار ارتكاب الجريمة، أو التلاعب بالأدلة أو بالتحقيق. وفي غياب مثل هذه الأدلة، ينبغي الإفراج عن الأشخاص المحتجزين رهن التوقيف الاحتياطي.

اعتقلوا بسبب التعبير عن آرائهم على الإنترنت

وثقت المنظمة ثلاث حالات، من بينها اعتقال صحفيَّيْن وناشط واتهامهم بـ “النيل من سمعة الدولة وهيبتها” و”القدح والذم والتحقير الإلكترونيين”، وهما تهمتان منصوص عليهما في قانون الجرائم الإلكترونية. كما تلقت معلومات عن اعتقال ناشطَيْن آخرَيْن على خلفية تهم تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة” والقدح والذم و”التحقير”.  وأفرج لاحقًا عن الأشخاص الخمسة بعد فترات من الاحتجاز والتحقيق تراوحت بين 24 ساعة وسبعة أيام.

وجّهت النيابة العامة رسميًا تهمًا إلى ثلاثة من أفراد المجموعة، بينهم صحفي وناشطان، بينما قُدّمت شكاوى من أفراد ضد شخصَيْن آخرَيْن، هما صحفي وناشط. وأسقطت الشكاوى المقدمة ضدهما لاحقًا تحت ضغط الرأي العام. وفي القضايا التي حرّكتها النيابة العامة، لا يزال الصحفي معرضًا لخطر الملاحقة القضائية، في حين لا تزال الإجراءات بحق الناشطَيْن معلقة بانتظار المحاكمة.

راجعت منظمة العفو الدولية المحتوى المنشور على الإنترنت التي استندت إليه الادعاءات أو التهم في الحالات الخمس، ولم تجد ما يشير إلى أنه حرّض على العنف أو الكراهية، أو انطوى على أي من الظروف التي قد تبرر فرض قيود على التعبير تصل إلى حد الاعتقال أو الملاحقة الجنائية.  وبناءً عليه، يندرج هذا التعبير ضمن نطاق الحماية التي يكفلها الحق في حرية التعبير، وتدعو المنظمة السلطات إلى إسقاط جميع التهم الموجهة إلى الأشخاص الثلاثة فورًا، لأنها لا تستند إلا إلى ممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية.

في إحدى القضايا البارزة مؤخرًا، اعتقلت قوات الأمن حسّان عقاد، وهو فنان ومخرج، من مقهى في حي المالكي بدمشق في 17 يونيو/حزيران 2026، من دون مذكرة توقيف.  وتولى اعتقاله ثمانية رجال بملابس مدنية، كان اثنان منهم ملثمَيْن ومسلحَيْن ببنادق، وذكروا لاحقًا أنهم من عناصر إدارة المباحث الجنائية.

أطلق حسّان عقاد في أبريل/نيسان 2026 حملة “هاتوا الفلوس” لمحاسبة أفراد ورجال أعمال ومسؤولين على تعهدات مالية سبق أن وعدوا بتقديمها لدعم جهود الإغاثة ومشروعات إدارة الإعمار والخدمات العامة، ولم يفوا بها.

في يونيو/حزيران 2026، اعتُقل إثر شكوى قدمها أحد الأفراد واتهمه فيها بالقدح والذم و”التحقير” وهما جريمتان بموجب القانون السوري، وأحيلت الشكوى إلى النيابة العامة. وبحسب محامٍ، استند الاعتقال إلى المادتين 23 و24 من قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022. وإثر موجة واسعة من استنكار الرأي عام، تراجع صاحب الشكوى عنها، وأُفرج عن حسّان عقاد بعد خمسة أيام.

وأضافت هبة مرايف: “ليس سهلًا الانتقال من إطار تشريعي يرتكز على القمع. ومع ذلك، كخطوة فورية وإلى حين استكمال الإصلاحات، يمكن لوزارة العدل وللنيابة العامة إصدار تعليمات بوقف جميع عمليات الاعتقال والتوقيف الاحتياطي في الجرائم المتعلقة بالتعبير، وهي جرائم لا تستوفي، في جميع الأحوال، المعايير التي يجيز القانون الدولي بموجبها اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي”.

قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 لا يستوفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان

يجرّم قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 أشكال مختلفة من التعبير التي تُلزَم سوريا بحمايتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تشكل فيه دولة طرفًا منذ عام 1969.

ويجرّم قانون الجرائم الإلكترونية السوري لعام 2022 أشكالًا مختلفة من التعبير تتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتفرض المواد 24، و25، و27 إلى 29، و31 عقوبات قاسية على أفعال لا يعترف بها القانون الدولي بوصفها جرائم، من بينها “اقتراف القدح أو التحقير”، و”الجرائم الواقعة على الدستور”، و”النيل من هيبة الدولة”، و”النيل من مكانة الدولة المالية أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية”، و”الإساءة إلى الأديان، أو المقدسات أو الشعائر الدينية، أو الحض على الكراهية أو التحريض على العنف”. كما يجرّم القانون القدح والذم، رغم أنه ينبغي التعامل مع هذه الجريمة باعتبارها جريمة مدنية لا جنائية وفقًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان المعمول بها اليوم.

وبموجب البنود الفضفاضة والمُبهمة للقانون، يمكن أن يواجه الأفراد الاعتقال والمقاضاة بسبب تعبيرهم عبر الإنترنت عن آراءٍ تُعد في نظر السلطات انتقادًا للحكومة.

كما يمنح القانون صلاحيات إنفاذ واسعة. وتعد المادتان 34 و35 معظم أشكال النشر وإعادة النشر على الإنترنت من وسائل العلنية، مما يوسّع نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل من يشاركون المحتوى ويعيدوا نشره، حتى لو لم يكونوا هم من نشروه أولًا.

كما يتيح القانون فرض رقابة واسعة النطاق. وتجيز المادة 37 للمحاكم حجب المواقع الإلكترونية أو النظم المعلوماتية لمدد تبدأ من ثلاثة أشهر وقد تصل إلى الحظر الدائم، إذا استُخدمت لارتكاب جرائم منصوص عليها في القانون. وتجيز المادة 43 أيضًا تقييد الدخول إلى المواقع الإلكترونية بموجب قرارات قضائية أو إجراءات إدارية تتخذها الهيئة الناظمة.

وتكفل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لكل شخص الحق في حرية التعبير؛ ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة. ولا تجيز الفقرة 3 من المادة 19 تقييد الحق في حرية التعبير إلا في حالات محددة بدقة، ولا تعد العقوبات الجنائية قيدًا مشروعًا إلا عندما يرقى التعبير إلى حد التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.

ويجب أن يكون أيّ قيد على هذا الحق منصوصًا عليه في القانون، وأن يُحقق هدفًا مشروعًا، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا. ويقع على عاتق الدولة إثبات أن القيد على حرية التعبير يهدف إلى تحقيق هدف مشروع، وأنه ضروري ومتناسب لتحقيق ذلك الهدف.

في ملاحظاتها الختامية بشأن سوريا الصادرة في يوليو/تموز 2024، أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن القانون يفرض عقوبات مشددة على بعض أشكال حرية التعبير، وأثارت تساؤلات بشأن مدى توافقه مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وأوصت أن تعدّل سوريا القانون لإلغاء الأحكام المبهمة وضمان التزام أي قيود تُفرض على التعبير بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

واختتمت هبة مرايف حديثها بالقول: “في 2025، أبلغت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل منظمة العفو الدولية بأن الإصلاح التشريعي يمثل أولوية. والآن، مع تشكل البرلمان، تملك الهيئة ووزارة العدل فرصة لإظهار أنهما توليان الحريات السياسية الأولوية، من خلال تسريع إصلاح القوانين القمعية التي تقوّض حماية حقوق الإنسان، وجعلها متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان”. (amnesty)

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.