لماذا لن تغادر روسيا سوريا حتى بعد سقوط الأسد ؟ .. معهد أمريكي يكشف استراتيجية موسكو الجديدة

 

في الوقت الذي يعتقد فيه كثيرون أن النفوذ الروسي في سوريا يتجه نحو التراجع بعد سقوط نظام بشار الأسد، يقدم تقرير جديد صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى قراءة مختلفة تمامًا، مفادها أن موسكو لا تستعد لمغادرة سوريا، بل تعمل على إعادة صياغة وجودها بما يتناسب مع المرحلة السياسية الجديدة.

ويرى التقرير أن روسيا، رغم خسارتها الحليف الذي اعتمدت عليه لسنوات، ما تزال تنظر إلى سوريا باعتبارها إحدى أهم ركائز سياستها في الشرق الأوسط، وتسعى للحفاظ على نفوذ طويل الأمد عبر أدوات أكثر مرونة من تلك التي استخدمتها خلال سنوات الحرب.

من الهيمنة إلى البراغماتية

يقول التقرير إن روسيا لم تعد صاحبة الكلمة الأولى في دمشق كما كانت خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، لكنها لم تتحول إلى لاعب هامشي أيضًا.

فبدلًا من الاعتماد على العلاقة الشخصية مع رأس النظام السابق، تحاول موسكو بناء شبكة علاقات أوسع مع مؤسسات الدولة السورية وشخصيات سياسية واقتصادية وعسكرية، بما يضمن استمرار مصالحها بغض النظر عن شكل السلطة الحاكمة.

ويرى معدّو التقرير أن الكرملين يتعامل مع الواقع السوري الجديد بقدر كبير من البراغماتية، مدركًا أن العودة إلى النفوذ السابق لم تعد ممكنة، لكنه يراهن على تثبيت موقعه كشريك لا يمكن تجاوزه.

القواعد العسكرية… الخط الأحمر

بحسب التقرير، تبقى القاعدتان الروسيتان في حميميم وطرطوس الهدف الأكثر أهمية بالنسبة لموسكو.

فهاتان القاعدتان لا تمثلان مجرد وجود داخل سوريا، بل تمنحان روسيا منفذًا استراتيجيًا إلى البحر المتوسط ونقطة انطلاق لعملياتها العسكرية واللوجستية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ولذلك يرى التقرير أن الكرملين سيبذل كل ما في وسعه لضمان استمرار عملهما حتى لو اضطر إلى تقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية للسلطات السورية الجديدة.

دمشق الجديدة لا تريد القطيعة

ويشير التقرير إلى أن السلطة الجديدة في دمشق لا تبدو راغبة في إنهاء العلاقة مع روسيا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد استمرارها بالشكل الذي كان قائمًا في عهد الأسد.

فالعلاقة، وفق التقرير، تتجه إلى أن تصبح أكثر توازنًا، بحيث تُبنى على المصالح المتبادلة لا على التبعية السياسية أو العسكرية.

كما تسعى دمشق إلى تنويع شراكاتها الخارجية وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد، سواء كان روسيا أو غيرها.

منافسون جدد على الساحة السورية

ويرى التقرير أن المشهد السوري أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل سنوات.

فروسيا باتت مضطرة إلى أخذ أدوار تركيا والدول العربية والغرب بعين الاعتبار، بعد أن أصبحت هذه الأطراف تمتلك بدورها أدوات تأثير داخل سوريا.

كما أن الانفتاح العربي وعودة الاهتمام بالاستثمار في سوريا قد يقللان من احتكار موسكو لبعض الملفات الاقتصادية التي كانت تتمتع بها خلال السنوات الماضية.

الاقتصاد… نقطة الضعف الروسية

ويؤكد التقرير أن العقوبات الغربية، إضافة إلى الكلفة الكبيرة للحرب في أوكرانيا، جعلت قدرة روسيا على تمويل مشاريع إعادة الإعمار أو تقديم الدعم الاقتصادي لسوريا أقل بكثير مما كانت عليه سابقًا.

ويرى أن هذا الضعف قد يفتح المجال أمام دول أخرى لزيادة حضورها الاقتصادي إذا شهدت سوريا مزيدًا من الاستقرار والانفتاح.

أدوات نفوذ مختلفة

ويشير التقرير إلى أن روسيا لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أصبحت تستخدم وسائل أخرى للحفاظ على حضورها، من بينها:

* توسيع العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الجديدة.

* تعزيز التعاون الاقتصادي حيثما أمكن.

* الحفاظ على قنوات الاتصال مع النخب السياسية والعسكرية.

* الاستثمار في البرامج التعليمية والثقافية.

* استخدام النفوذ السياسي بدل التدخل العسكري المباشر.

ويرى معدّو التقرير أن هذه المقاربة أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار في الظروف الحالية.

رسالة مباشرة إلى واشنطن

ويختتم التقرير بتوصية واضحة لصناع القرار في الولايات المتحدة، مفادها أن الرهان على انسحاب روسيا من سوريا سيكون خطأً استراتيجيًا.

فبحسب الباحثين، لا توجد مؤشرات فعلية على نية موسكو مغادرة البلاد، بل على العكس، فإنها تعمل على التكيف مع المتغيرات للحفاظ على مصالحها بأقل تكلفة ممكنة.

ولذلك يدعو التقرير واشنطن إلى صياغة سياساتها تجاه سوريا انطلاقًا من حقيقة أن روسيا ستبقى لاعبًا رئيسيًا، حتى وإن كان نفوذها أقل مما كان عليه خلال ذروة دعمها لنظام الأسد.

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.