قضايا توقيف وتعذيب تهز الشارع السوري.. شاب يصارع الموت في اللاذقية وآخر يخرج بحالة صحية مأساوية من سجن حماة
أثارت قضيتان منفصلتان في محافظتي اللاذقية وحماة موجة واسعة من الغضب والمطالبات بالمحاسبة، بعد تداول معلومات وشهادات تتحدث عن تعرض شابين لانتهاكات خلال فترة توقيفهما، انتهت بتدهور خطير في حالتهما الصحية، وسط دعوات لفتح تحقيقات موسعة وعدم الاكتفاء بالإجراءات الإدارية.
في القضية الأولى، قالت عائلة الشاب محمد حسام الدين غميرة من مدينة الحفة بريف اللاذقية إن ابنها تعرض للضرب والتعنيف خلال توقيفه في قسم شرطة الحفة على خلفية ادعاء بسرقة مبلغ مالي.
ويعمل غميرة متطوعاً في الدفاع المدني، وهو ابن حسام غميرة الذي استشهد خلال معارك الجيش الحر في الغوطة، بحسب ما نشره شقيقه أحمد غميرة.
ووفق رواية العائلة وشهادات متداولة، أخبر محمد عناصر القسم بأنه يعاني من مرض الناعور “الهيموفيليا”، الذي يجعله عرضة للنزيف، إلا أن ذويه يتهمون عناصر في القسم بالاعتداء عليه بالضرب، ما أدى، بحسب روايتهم، إلى إصابته بنزيف داخلي وتدهور حالته الصحية بصورة خطيرة.
وأشارت المعلومات المتداولة إلى أنه أُخلي سبيله لاحقاً بقرار قضائي ونُقل إلى المستشفى، فيما تحدث أفراد من عائلته وناشطون عن وصول حالته إلى مرحلة شديدة الخطورة، وسط اتهامات بأن الاعتداء الذي تعرض له خلال توقيفه كان سبباً في تدهور وضعه الصحي.
وعلى خلفية القضية، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية فتح تحقيق في ملابسات توقيف محمد غميرة والإجراءات التي اتُخذت بحقه، مؤكدة أن التحقيق يشمل التحقق من ظروف التوقيف ومدى توافق الإجراءات مع الأصول القانونية، إضافة إلى مراعاة وضعه الصحي ومعاناته من مرض الناعور.
وأكدت القيادة أن سلامة الموقوفين وحقوقهم وكرامتهم مصونة وفق القانون، وأن أي تجاوز يثبت وقوعه خلال إجراءات التوقيف أو التحقيق ستُتخذ بحقه الإجراءات القانونية المناسبة.
كما توجه محافظ اللاذقية أحمد مصطفى إلى مدينة الحفة، حيث التقى عدداً من الأهالي واستمع إلى تفاصيل القضية ومطالب السكان، متعهداً، بحسب ما نُقل عن اللقاء، بمحاسبة المتورطين وترك العدالة تأخذ مجراها بعد استكمال التحقيقات.
عبد السلام عكو.. عام في سجن حماة ونهاية صادمة
وبالتزامن مع قضية غميرة، أثارت صور الشاب عبد السلام عبد الحكيم عكو، من مواليد عام 2002، صدمة واسعة بعد ظهوره بحالة صحية متدهورة عقب خروجه من سجن حماة المركزي، حيث تقول عائلته ومصادر مقربة منه إنه أمضى نحو عام في السجن قبل تسليمه إلى ذويه.
وبحسب المعلومات المتداولة حول القضية، فإن عكو معتقل سابق لدى نظام الأسد، وكان قد خرج من السجن مع سقوط النظام، قبل أن يُعتقل مجدداً في حادثة منفصلة بعد مداهمة محل على خلفية الاشتباه بقضية مرتبطة بتجارة المخدرات.
وتقول الرواية التي نشرها مقربون منه إن فحصاً طبياً أظهر عدم تعاطيه المخدرات، فيما تطرح قضيته أسئلة حول الأسباب القانونية لاستمرار توقيفه طوال هذه المدة، وما إذا كان قد خضع لمحاكمة، إضافة إلى الظروف التي أدت إلى التدهور الكبير في حالته الصحية قبل تسليمه لعائلته.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى خلفية عائلة عكو؛ إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن له شقيقاً قُتل خلال سنوات الحرب، وأن أحد أبناء عمه كان من المشاركين في الثورة في حمص وأمضى نحو خمس سنوات في سجون نظام الأسد.
وذهب بعض الناشطين إلى طرح شبهات حول احتمال وجود دوافع شخصية وراء توقيف عكو أو استغلال للسلطة لتصفية حسابات سابقة، إلا أنه لا توجد حتى الآن معلومات موثقة تثبت هذه الاتهامات، ما يجعل التحقيق الرسمي وكشف كامل ملف توقيفه أمراً ضرورياً لحسم هذه الشبهات.
مطالبات تتجاوز فتح التحقيق
القضيتان دفعتا ناشطين ومنظمات حقوقية إلى المطالبة بتحقيقات عاجلة وشفافة تكشف المسؤوليات الفردية عن أي انتهاكات محتملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، بدلاً من الاكتفاء بإعلان فتح التحقيقات.
كما أعادت الحوادث النقاش حول آليات الرقابة على السجون ومراكز التوقيف وأقسام الشرطة، وضرورة ضمان عدم احتجاز أي شخص خارج الأطر القانونية، وتأمين الرعاية الطبية للموقوفين، ومحاسبة المسؤولين عن أي تعذيب أو إساءة معاملة بصرف النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم.
وتطرح قضية عبد السلام عكو بشكل خاص أسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية: لماذا بقي الشاب في السجن قرابة عام؟ وما التهم التي وُجهت إليه؟ وهل حوكم أمام القضاء؟ وكيف تدهورت حالته الصحية إلى هذا المستوى أثناء وجوده خلف القضبان؟
أما في قضية محمد غميرة، فتبقى نتائج التحقيق الذي أعلنته قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية هي الفيصل في تحديد ما جرى داخل قسم شرطة الحفة، والمسؤولية عن الإصابات التي تقول عائلته إنه تعرض لها.
وبين القضيتين، تتصاعد المطالبات بألا تتحول التحقيقات إلى مجرد إجراءات مؤقتة لامتصاص الغضب، وإنما إلى محاسبة قضائية علنية لكل من يثبت تورطه، وضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الانتهاكات وتحفظ كرامة السوريين داخل مراكز التوقيف والسجون.