بعد سنوات من اللجوء في النمسا.. عائلات سورية تواجه مطالبات بإعادة عشرات ومئات آلاف اليوروهات

 

يواجه سوريون من الأقلية الأرمنية في النمسا أزمة قانونية ومالية معقدة، بعدما سحبت السلطات صفة اللجوء من مئات منهم على خلفية اعتبارهم مواطنين أرمن أيضًا، لتبدأ بعد ذلك إجراءات قد تلزم بعض العائلات بإعادة مساعدات اجتماعية حصلت عليها على مدى سنوات.

وكشفت صحيفة دير شتاندارد النمساوية حالة عائلة سورية تعيش في النمسا منذ نحو 14 عامًا، وطالبتها السلطات في فيينا بإعادة جميع مبالغ الحد الأدنى من المساعدات الاجتماعية التي حصل عليها أفرادها خلال أكثر من عشر سنوات.

واستخدمت الصحيفة اسمًا مستعارًا لرب الأسرة هو أرتون هـ. بسبب استمرار الإجراءات القانونية المتعلقة بالقضية.

وبحسب التقرير، وصلت قيمة المبالغ المطلوبة من الأسرة إلى رقم من ستة أرقام باليورو، أي ما لا يقل عن 100 ألف يورو، وتشمل المساعدات التي حصل عليها الأب وزوجته وأطفاله ووالد الأسرة المسن.

ويخشى الأب أن تتبع ذلك مطالبات مالية إضافية، من بينها إمكانية المطالبة بإعادة إعانات عائلية صُرفت سابقًا.

عاشوا كلاجئين معترف بهم وبنوا حياتهم في النمسا

حصلت الأسرة قبل نحو 13 عامًا على اللجوء في النمسا باعتبار أفرادها مواطنين سوريين، بعدما قدموا طلب الحماية فور وصولهم إلى مطار فيينا.

وخلال السنوات التالية تعلم أفراد الأسرة اللغة الألمانية، وحصل الأطفال على شهاداتهم المدرسية، واستقرت الأسرة في المجتمع النمساوي.

كما تمكن رب الأسرة من دخول عالم الأعمال وأصبح يعمل لحسابه الخاص، ويدير حاليًا مشروعًا صغيرًا ناجحًا بالشراكة مع شخص آخر.

وباعتبارهم لاجئين معترفًا بهم، كان أفراد الأسرة مؤهلين للحصول على المساعدات الاجتماعية وفق القواعد المعمول بها.

لكن الوضع تغير بصورة جذرية في عام 2024.

السلطات: أنتم أيضًا مواطنون أرمن

بعد مرور نحو 11 عامًا على منح الأسرة اللجوء، فتح المكتب الاتحادي لشؤون الأجانب واللجوء إجراءات لسحب الحماية منها.

وتقول السلطات إن أفراد الأسرة لا يحملون الجنسية السورية فقط، وإنما الجنسية الأرمنية أيضًا، وإن هذه المعلومة لم تقدم بصورة صحيحة خلال إجراءات اللجوء.

وتكررت القضية مع عدة مئات من السوريين المنتمين إلى الأقلية الأرمنية في أنحاء النمسا.

وتعود المشكلة إلى أن عددًا من هؤلاء دخلوا النمسا باستخدام جوازات سفر أرمنية.

لكن السوريين المتضررين يقدمون رواية مختلفة، ويقولون إن مهربي البشر هم الذين وفروا لهم الوثائق الأرمنية المستخدمة للسفر.

وقال رب الأسرة التي تحدثت عنها الصحيفة إن أفراد عائلته لم يمسكوا تلك الجوازات بأيديهم آنذاك، وإن المهربين تولوا إجراءات الحصول عليها.

هل كانت السلطات تعلم بالجوازات منذ البداية؟

هذه النقطة قد تكون من أهم جوانب القضية قانونيًا.

فبحسب تحقيق «دير شتاندارد»، توجد حالات أخرى لسوريين أرمن دخلوا النمسا بجوازات أرمنية وكانت السلطات على علم بوجود هذه الوثائق منذ بداية إجراءات اللجوء.

واطلعت الصحيفة على محاضر الاستجواب الأول لثلاثة أشخاص مستقلين عن بعضهم، وجميعهم وصلوا إلى النمسا عبر رحلات جوية مستخدمين جوازات أرمنية.

وبما أنهم سافروا جوًا، كانت بيانات جوازات السفر الأرمنية قد وصلت إلى الشرطة عن طريق شركات الطيران، وكانت متاحة كذلك لسلطات اللجوء.

كما ذكر الأشخاص خلال مقابلات اللجوء أنهم حصلوا على الجوازات بواسطة مهربين، وأن بعضهم لم يكن يعرف حتى ما إذا كانت الوثائق أصلية.

ورغم ذلك، قدموا طلبات اللجوء باعتبارهم مواطنين سوريين.

المحاكم لا تتخذ موقفًا موحدًا

وصل عدد من هذه القضايا إلى المحكمة الإدارية الاتحادية النمساوية، إلا أن الأحكام والمواقف القانونية ليست متطابقة.

ففي إحدى القضايا، اعتبرت المحكمة أن سلطة اللجوء كانت تعلم منذ الاستجواب الأول بوجود جواز سفر أرمني، لكنها لم تحقق بصورة كافية في مسألة الجنسية.

ورأت المحكمة في هذه الحالة أن تقصير السلطة في التحقق من المعلومات منذ البداية يؤثر في إمكانية اعتبار الشخص قد حصل على قرار اللجوء عن طريق الخداع.

وفي قضايا أخرى، توصلت المحكمة إلى نتيجة مختلفة، معتبرة أن الجنسية الأرمنية أخفيت عن السلطات عن علم، خصوصًا عندما اعتبرت الأدلة أن الأشخاص حصلوا بأنفسهم على جوازات من جهات أرمنية.

من لاجئين إلى مشتبه بهم بالاحتيال الاجتماعي

لم تتوقف تداعيات سحب اللجوء عند وضع الإقامة.

ففي حالة الأسرة التي تناولتها الصحيفة، أعادت دائرة الشؤون الاجتماعية والصحة والقانون الاجتماعي في فيينا فتح ملفات المساعدات الاجتماعية القديمة.

وتعتبر السلطات أن الأسرة حصلت على المساعدات نتيجة تضليل الجهات الرسمية، وبالتالي بدأت إجراءات لاسترداد الأموال التي دفعت خلال السنوات السابقة.

وتذهب القضية إلى أبعد من مجرد إعادة الأموال، إذ يمكن أن تثار أيضًا شبهة الحصول غير المشروع على المساعدات الاجتماعية.

وبحسب القانون النمساوي المشار إليه في التقرير، يمكن أن تصل العقوبة في بعض الحالات إلى السجن لمدة عام أو غرامة مالية تصل إلى 360 وحدة يومية.

وعندما تتجاوز قيمة الضرر 3 آلاف يورو، يمكن أن تصل العقوبة القصوى إلى ثلاث سنوات من السجن.

وهذه عقوبات قانونية محتملة وليست أحكامًا صدرت بالفعل بحق العائلة المذكورة.

135 حالة قيد المراجعة في فيينا

وأكدت دائرة الشؤون الاجتماعية في فيينا للصحيفة أنها تتعامل مع هذه الملفات استنادًا إلى الإجراءات القانونية التي تفرض عليها إعادة فتح ملفات المساعدات بعد سحب اللجوء.

وكشفت عن وجود 135 حالة في فيينا حاليًا تخص سوريين من الأقلية الأرمنية سُحبت منهم صفة اللجوء وتخضع ملفات مساعداتهم للمراجعة.

كما صدرت بالفعل 12 قرارات في هذا السياق حتى تاريخ نشر التقرير.

وبذلك لا تتعلق القضية بعائلة واحدة، بل بملف قد تكون له تداعيات مالية وقانونية على عشرات الأسر السورية التي عاشت في النمسا لسنوات طويلة.

وتكمن المعضلة الأساسية الآن في تحديد ما إذا كان هؤلاء الأشخاص قد أخفوا الجنسية الأرمنية عن قصد للحصول على اللجوء، أم أن السلطات النمساوية كانت تمتلك معلومات عن الوثائق الأرمنية منذ البداية وكان يتعين عليها التحقيق فيها قبل منح الحماية.

وسيكون حسم هذه النقطة أمام القضاء بالغ الأهمية، ليس فقط لتحديد وضع الإقامة، وإنما أيضًا لتقرير ما إذا كان بإمكان السلطات مطالبة بعض الأسر بإعادة مبالغ ضخمة من المساعدات التي حصلت عليها بصورة قانونية ظاهريًا طوال سنوات.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.