فوز حزب البديل AfD يهز خطط حكومة ميرتس.. برلين تعيد حساباتها في التقاعد والصحة والرعاية
بدأ الفوز الكبير الذي حققه حزب البديل من أجل ألمانيا AfD في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت بإحداث تداعيات مباشرة في برلين، حيث تواجه حكومة المستشار فريدريش ميرتس ضغوطًا متزايدة لإعادة النظر في عدد من الإصلاحات الاجتماعية التي كانت تخطط لتنفيذها في مجالات التقاعد والصحة والرعاية.
وتشير استطلاعات ما بعد الانتخابات إلى أن الأمان الاجتماعي كان العامل الأكثر أهمية في قرار الناخبين، إذ ذكره 25% من المشاركين كأهم قضية أثرت على تصويتهم، متقدمًا على الاقتصاد والأمن الداخلي والهجرة.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة للحكومة أن 59% من الناخبين يرون ضرورة إجراء تعديلات على إصلاحات التقاعد والصحة، في حين يؤيد 13% فقط تنفيذها كما هي مخططة حاليًا.
التقاعد بعد 45 عامًا من العمل في قلب الخلاف
أبرز الملفات التي قد تتغير يتعلق بخطة إلغاء إمكانية التقاعد دون خصومات بعد إكمال 45 عامًا من الاشتراكات في نظام التأمين التقاعدي.
وكانت الحكومة تخطط لتنفيذ توصيات لجنة التقاعد كحزمة متكاملة، بما يشمل إلغاء هذا الامتياز، لكن المعارضة السياسية والاجتماعية تصاعدت بقوة بعد انتخابات ساكسونيا أنهالت.
وفتح ميرتس نفسه الباب أمام تعديلات، مشيرًا إلى ضرورة مراعاة الأشخاص الذين عملوا ودفعوا اشتراكات التأمين التقاعدي لمدة 45 عامًا.
ومن غير المرجح حاليًا التخلي عن الإصلاح بالكامل، لكن السيناريو المطروح بقوة يتمثل في إدخال فترات انتقالية واستثناءات واسعة لحماية الأشخاص الذين اقتربوا بالفعل من سن التقاعد أو أمضوا عقودًا طويلة في سوق العمل.
شهادة مرضية منذ أول يوم قد يعاد النظر فيها
ملف آخر أثار غضبًا واسعًا يتعلق بخطة مطالبة الموظفين بتقديم شهادة مرضية من الطبيب منذ اليوم الأول للغياب عن العمل.
ويرى سياسيون في الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD أن النقاش حول هذه الخطة، إلى جانب تصريحات تطالب الألمان بالعمل أكثر وتقليل أيام المرض، أعطى جزءًا من المواطنين انطباعًا بأن الحكومة تتعامل معهم بعدم ثقة.
وقالت وزيرة العمل باربل باس إن الحكومة يجب أن تسأل نفسها مجددًا عما إذا كانت هذه الخطوة منطقية.
حتى بعض ممثلي أصحاب العمل يحذرون من نتيجة عكسية محتملة: فالموظف الذي كان سيغيب يومًا أو يومين فقط قد يحصل بعد زيارة الطبيب على إجازة مرضية لأسبوع كامل.
تراجع محتمل عن اقتطاعات تخص من يرعون أقاربهم
وفي قطاع الرعاية، تواجه صناديق التأمين عجزًا بمليارات اليورو، وكانت هناك خطط لخفض النفقات، من بينها إجراءات كان من شأنها التأثير على حقوق التقاعد للأشخاص الذين يتوقفون عن العمل أو يخفضون ساعات عملهم من أجل رعاية أفراد أسرهم.
لكن وزير الصحة كارستن لينيمان أعلن بالفعل أنه لا يريد تحقيق وفورات على حساب معاشات الأشخاص الذين يرعون أقاربهم.
كما يخطط لتشكيل لجنة تضم خبراء مستقلين وعلماء لإجراء مراجعة أوسع لنظام الرعاية، بدل الاكتفاء بإجراءات مالية قصيرة المدى.
أسعار الوقود تدخل المعركة أيضًا
ولم تعد المناقشات مقتصرة على التقاعد والصحة والرعاية، إذ عادت أسعار الوقود المرتفعة إلى قلب النقاش السياسي، خصوصًا في الولايات التي تستعد لانتخابات محلية.
وتتصاعد المطالب بوضع سقف لأسعار الوقود، رغم أن لجنة تابعة لأحزاب الحكومة كانت قد رفضت الفكرة.
وتكتسب القضية حساسية إضافية مع اقتراب انتخابات برلين ومكلنبورغ-فوربومرن في 20 سبتمبر، حيث أصبحت الأحزاب الحكومية أكثر حذرًا من اتخاذ قرارات يمكن أن تثير غضب الناخبين قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
الضرائب أيضًا على طاولة المفاوضات
الاتحاد المسيحي CDU/CSU يريد من جانبه إعادة فتح ملف التخفيضات الضريبية، إذ يعتبر أن الإعفاءات التي يخطط لها وزير المالية لارس كلينغبايل غير كافية.
وتخطط وزارة المالية لتخفيف العبء عن الأسر وأصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة بنحو 10 مليارات يورو اعتبارًا من عام 2028، لكن الاتحاد يطالب بتخفيضات أكبر.
المشكلة الأساسية تبقى في كيفية تمويل هذه التخفيضات، خصوصًا أن مقترحات مثل زيادة ضريبة الميراث أو رفع معدلات الضرائب على الدخول المرتفعة تواجه خلافات داخل الائتلاف.
43.8% لـAfD تغيّر الحسابات في برلين
وتأتي إعادة الحسابات بعد النتيجة الضخمة التي سجلها AfD في ساكسونيا أنهالت، حيث حصل على نحو 43.8% من الأصوات وأصبح القوة السياسية الأولى في الولاية.
وأصبحت النتيجة تُقرأ داخل أحزاب الحكومة باعتبارها رسالة موجهة إلى برلين أيضًا، وليس مجرد تحول سياسي محلي.
واعترف وزير المالية ونائب المستشار لارس كلينغبايل بوجود فقدان للثقة بالحكومة، مؤكدًا أن استعادة هذه الثقة تتطلب وضع مسألة العدالة في صميم الإصلاحات المقبلة.
وفي المقابل، تحذر أصوات داخل الاتحاد وخبراء اقتصاديون من أن يؤدي الخوف من AfD والانتخابات المقبلة إلى تجميد الإصلاحات الضرورية، معتبرين أن ألمانيا ما تزال بحاجة إلى تغييرات كبيرة في أنظمة التقاعد والصحة والرعاية.
وبذلك تجد حكومة ميرتس نفسها أمام معادلة سياسية صعبة: تنفيذ إصلاحات تقول إنها ضرورية لاستقرار المالية العامة والأنظمة الاجتماعية، أو تعديل الإجراءات غير الشعبية لتجنب خسارة المزيد من الناخبين لصالح AfD في الانتخابات المقبلة.
المصدر: Tagesschau / ARD – استطلاعات Infratest dimap