ألمانيا تحتاج إلى المهاجرين للحفاظ على سوق العمل.. مئات آلاف الوظائف تعاني نقص الكفاءات والأجانب يسدّون فجوات حيوية

 

لم تعد مساهمة العمال الأجانب في ألمانيا تقتصر على قطاعات هامشية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في استمرار قطاعات حيوية، في وقت تتسارع فيه إحالة جيل كبير من الألمان إلى التقاعد ويتراجع عدد السكان الألمان في سن العمل.

وتكشف أحدث بيانات وكالة العمل الاتحادية أن نمو العمالة في ألمانيا منذ عام 2024 أصبح قائمًا بالكامل على العاملين الأجانب، في حين بدأ عدد العاملين الألمان والأوروبيين بالتراجع تحت تأثير التحول الديموغرافي. وبين عامي 2014 و2024 وحدهما انخفض عدد السكان الألمان في سن العمل بنحو 3.9 مليون شخص، مقابل زيادة بنحو 3.4 مليون شخص من أصحاب الجنسيات الأجنبية. 

وتقول وكالة العمل بوضوح إن الهجرة المهنية ستزداد أهمية للحفاظ على سوق العمل، بعدما بقيت 157 مهنة تعاني نقصًا في العمالة الماهرة خلال 2025 رغم ضعف الاقتصاد. ويتركز النقص خصوصًا في التمريض والصحة والبناء والحرف، إضافة إلى سائقي الشاحنات والحافلات والطهاة والمربين والعاملين في المجالات الاجتماعية. 

فجوة تتجاوز 340 ألف عامل مؤهل

ويظهر تحليل حديث لمركز الكفاءة لتأمين العمالة الماهرة KOFA، يغطي الفترة من يوليو 2025 حتى يونيو 2026، أن ألمانيا كانت تفتقر حسابيًا إلى أكثر من 340 ألف عامل مؤهل لشغل الوظائف المتاحة؛ أي إنه لم يكن هناك عاطل مؤهل بالمواصفات المناسبة لنحو 32% من الوظائف الشاغرة التي تتطلب تأهيلًا. 

واللافت أن المشكلة ليست متساوية جغرافيًا. ففي مكلنبورغ-فوربومرن لم يكن هناك مرشح عاطل مناسب لنحو 45.7% من الوظائف المؤهلة الشاغرة، وهي أعلى نسبة بين الولايات. وتبلغ النسبة 41.4% في براندنبورغ، و39.8% في ساكسونيا-أنهالت، و39% في تورينغن، و37.2% في ساكسونيا، مقابل 24.2% في برلين. وهذا يكشف أن الولايات الشرقية الريفية تواجه ضغوطًا ديموغرافية أكبر من المدن الكبرى. 

الأجانب ليسوا إضافة فقط.. بل يعوضون تراجع العمال الألمان

المثال الواضح يأتي من شمال الراين-وستفاليا NRW، أكبر ولايات ألمانيا من حيث السكان. ففي يونيو 2025 كان هناك 7,350,231 موظفًا خاضعًا للتأمينات الاجتماعية في الولاية.

منهم 1,193,812 موظفًا أجنبيًا.

وخلال عام واحد ارتفع عدد الموظفين الأجانب بمقدار 67,408 أشخاص، بينما انخفض عدد الموظفين الألمان بمقدار 43,805 أشخاص. وبذلك لم يعوض الأجانب التراجع في عدد الألمان فحسب، بل أبقوا إجمالي العمالة في الولاية في مسار إيجابي. 

وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة النقاش الألماني حول الهجرة: عدد السكان الألمان في سن 15 إلى أقل من 65 عامًا في NRW انخفض خلال سنة بنحو 88,400 شخص، بينما ارتفع عدد الأجانب في الفئة العمرية نفسها بنحو 44,500. 

أين تحتاج ألمانيا إليهم؟

الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى القطاعات. المستشفيات ودور المسنين والرعاية الصحية تأتي في المقدمة. وتقول وكالة العمل إن التمريض لا يزال من أكثر المجالات التي تعاني نقصًا، فيما ارتفعت حصة الأجانب في وظائف الرعاية خلال ثلاث سنوات بمقدار 3.6 نقاط مئوية. ويعمل 56% من العاملين في مهن الرعاية داخل قطاع الصحة و23% في دور الرعاية. 

وفي الحرف والبناء تظهر المشكلة الديموغرافية بصورة أكثر حدة. يعمل نحو 3.36 ملايين شخص في المهن الحرفية، لكن قرابة 718 ألفًا منهم تتراوح أعمارهم بين 55 وأقل من 65 عامًا، ما يعني أن عددًا ضخمًا سيغادر سوق العمل خلال السنوات المقبلة. وتقول وكالة العمل إن نمو العمالة في هذه المهن أصبح يأتي من مواطني الدول خارج الاتحاد الأوروبي، بينما يتراجع عدد العاملين الألمان. 

ومن المجالات الحيوية الأخرى النقل واللوجستيات والمستودعات والتوصيل والمطاعم والفنادق. وتوضح أرقام تصاريح العمل لعام 2025 حجم الطلب: وافقت وكالة العمل على 521 ألف طلب لدخول سوق العمل للأجانب الخاضعين لإجراءات الموافقة، بزيادة تتجاوز 17% عن 2024. ومن بينها نحو 78 ألف موافقة مرتبطة بالتمريض، وأكثر من 70 ألفًا باللوجستيات والتوصيل والمستودعات، ونحو 45 ألفًا للطهاة، وأكثر من 38 ألفًا لخدمات المطاعم. وهذه أرقام للموافقات وليست عدد الأشخاص الذين دخلوا ألمانيا فعليًا. 

420 ألف عامل جاءوا تحديدًا عبر مسارات هجرة العمل

وبحلول يونيو 2025، كان في ألمانيا نحو 420 ألف موظف خاضع للتأمينات الاجتماعية من دول خارج الاتحاد الأوروبي ويحملون إقامة مرتبطة بالعمل، مقابل أكثر قليلًا من 200 ألف فقط في 2020؛ أي أن الرقم تضاعف تقريبًا خلال خمس سنوات. وأكثر من نصف هؤلاء دخلوا ضمن نظام البطاقة الزرقاء الأوروبية، بحسب وكالة العمل. 

وهنا يجب التفريق بين هذه المجموعة وبين إجمالي العمال الأجانب في ألمانيا: «العامل الأجنبي» في إحصاءات وكالة العمل يعني الشخص الذي لا يحمل الجنسية الألمانية، ولذلك تشمل الإحصاءات مواطني الاتحاد الأوروبي واللاجئين والمهاجرين القدامى والوافدين للعمل وغيرهم. كما أن المتجنس الذي أصبح ألمانيًا لا يظهر أصلًا ضمن خانة العامل الأجنبي، حتى لو كان مولودًا في سوريا أو تركيا أو بولندا. 

الشرق الألماني أمام تحدٍ أكبر

المفارقة أن بعض المناطق التي توجد فيها نسب أقل من العمال الأجانب هي نفسها التي تواجه أكبر صعوبة في إيجاد الكفاءات.

ففي يونيو 2025 كان لدى 52% من الشركات في برلين موظف أجنبي واحد على الأقل، وبلغت النسبة 49% في بادن-فورتمبيرغ وهيسن، و48% في هامبورغ، و47% في بريمن، و44% في NRW وبافاريا.

في المقابل بلغت النسبة 28% فقط في براندنبورغ، رغم أن براندنبورغ تسجل واحدة من أعلى فجوات العمالة المؤهلة في البلاد، إذ لا يتوفر مرشح مناسب لنحو 41.4% من الوظائف المؤهلة الشاغرة. 

ألمانيا أمام مشكلة ديموغرافية طويلة الأمد

هذه الأرقام تفسر لماذا تنظر مؤسسات سوق العمل الألماني إلى الهجرة المهنية باعتبارها قضية تتجاوز النمو الاقتصادي الحالي. فحتى مع ضعف الاقتصاد وانخفاض عدد الوظائف الشاغرة، بقيت عشرات المهن في حالة نقص.

وتلخص رئيسة وكالة العمل الاتحادية أندريا ناليس الوضع بالقول إن أعدادًا متزايدة من الموظفين تصل إلى سن التقاعد في الوقت الذي يدخل فيه عدد أقل من الشباب إلى سوق العمل، وإن العاملين الأجانب أصبحوا بالفعل لا غنى عنهم في العديد من المهن التي تعاني نقصًا. 

المصدر: وكالة العمل الاتحادية الألمانية BA – معهد أبحاث سوق العمل IAB – مركز تأمين العمالة الماهرة KOFA

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.