هزة مالية في تركيا.. تصفية 130 صندوقًا وإجراءات تطال 353 ألف مستثمر والمركزي يتدخل بـ5 مليارات دولار

تشهد الأسواق المالية التركية واحدة من أكبر أزماتها خلال الفترة الأخيرة، بعد أزمة سيولة ضربت مجموعة من صناديق الاستثمار وأدت إلى موجة بيع حادة في بورصة إسطنبول، ما دفع السلطات إلى التدخل بشكل عاجل لاحتواء تداعياتها ومنع انتقالها إلى بقية النظام المالي. 

وبدأت الأزمة عندما واجهت بعض شركات إدارة المحافظ صعوبة في تلبية طلبات المستثمرين الراغبين في سحب أموالهم، بعد سنوات من تحقيق بعض الصناديق عوائد ضخمة عبر الاستثمار المكثف في أسهم محدودة التداول. ومع بدء عمليات السحب، اضطرت الصناديق إلى بيع الأصول، ما أدى إلى انخفاض الأسعار ودفع مزيد من المستثمرين إلى طلب استرداد أموالهم، في حلقة متسارعة من الضغوط على السيولة. 

وردًا على ذلك، قررت هيئة أسواق المال التركية SPK إيقاف عمليات البيع والشراء في الصناديق التابعة لسبع شركات لإدارة المحافظ على منصة TEFAS، بينها Tera Portföy وPusula Portföy وHedef Portföy، كما أمرت بتصفية نحو 130 صندوقًا استثماريًا وفق آلية تحددها الهيئة. 

وتبلغ القيمة الإجمالية للأصول التي تشملها الإجراءات نحو 891 مليار ليرة تركية، أي ما يقارب 21.4 مليار دولار، ويقدر عدد المستثمرين المتأثرين بنحو 353 ألف مستثمر. وتشير تقارير أخرى إلى أن الأموال المعرضة للخطر ضمن نطاق أوسع من الأزمة قد تصل إلى نحو 17 مليار دولار موزعة على مئات آلاف الحسابات. 

وفي أحد أبرز مؤشرات حجم الضغط على الأسواق، أظهرت حسابات أربعة مصرفيين استنادًا إلى بيانات أولية أن البنك المركزي التركي باع ما بين 5 و5.2 مليارات دولار من العملات الأجنبية خلال يوم الأربعاء وحده، بالتزامن مع موجة بيع تجاوزت 5% في البورصة. ويهدف التدخل إلى دعم استقرار الليرة وتوفير السيولة ومنع انتقال الذعر إلى أسواق أخرى. 

كما رفع المركزي حجم التمويل عبر عمليات إعادة الشراء «الريبو» إلى 300 مليار ليرة، وزاد حدود اقتراض البنوك في سوق ما بين المصارف، وخفّض متطلبات الضمان، معلنًا أنه مستعد لاتخاذ إجراءات إضافية إذا دعت الحاجة. 

أما بورصة إسطنبول، فقد تعرض مؤشر BIST 100 لضغوط حادة وخسر أكثر من 5% في إحدى الجلسات، قبل أن يستعيد جزءًا من خسائره عقب تدخل السلطات. وسجل المؤشر خلال الأسبوع أسوأ أداء له منذ مارس/آذار 2025. 

القضية لم تعد مالية فقط، بل انتقلت إلى القضاء. فقد أعلن وزير العدل التركي توقيف أربعة مشتبه بهم، بينهم مسؤولون في شركات وصناديق استثمار، إضافة إلى فرض حظر سفر وتدابير على أصول 51 شخصًا ضمن تحقيقات تتعلق بمعاملات مشبوهة في أسواق رأس المال. كما أحالت هيئة أسواق المال عشرات الأشخاص إلى النيابة للتحقيق في شبهات تلاعب بالسوق. 

وتتمحور الشبهات حول قيام بعض مديري الصناديق بتجميع أموال المستثمرين في عدد محدود من الأسهم ضعيفة السيولة، بما أدى إلى رفع أسعارها بصورة كبيرة وإظهار عوائد استثنائية جذبت مزيدًا من المستثمرين. ومع توقف تدفق الأموال الجديدة وبدء طلبات السحب، أصبحت بعض الصناديق عاجزة عن توفير السيولة المطلوبة. وقد وصفت صحيفة «فايننشال تايمز» الآلية بأنها تشبه في بعض جوانبها مخطط بونزي، لكن التحقيقات القضائية لم تنتهِ بعد، ولذلك لا يمكن اعتبار جميع الصناديق المتضررة متورطة في عملية احتيال مثبتة. 

ورغم ضخامة الأرقام، تؤكد الحكومة التركية أن الأزمة محدودة ويمكن احتواؤها ولا تشكل حتى الآن خطرًا نظاميًا على القطاع المصرفي أو الاقتصاد بأكمله. وقال وزير المالية محمد شيمشك إن المشكلة تتركز في جزء محدود من سوق صناديق الاستثمار، بينما ظلت أسواق السندات والعملات أكثر استقرارًا من سوق الأسهم. 

ومن المهم التمييز بين حجم الأموال الموجودة في الصناديق المتأثرة وبين الخسائر الفعلية. فالمتداول عن «خسارة 10 مليارات دولار» لا تؤكده حتى الآن البيانات الرسمية أو المصادر المالية الكبرى التي راجعتها؛ الرقم المؤكد هو أن الصناديق المشمولة بإجراءات التجميد والتصفية تدير أصولًا بعشرات مليارات الدولارات، لكن القيمة النهائية للخسائر لن تتضح إلا مع انتهاء التصفية واسترداد الأصول.

المصادر: رويترز – فايننشال تايمز – البنك المركزي التركي – هيئة أسواق المال التركية SPK – وزارة العدل التركية – CNBC-e.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.