فورين بوليسي : ناطحات سحاب وسط الأنقاض في سوريا.. من المستهدفون بحق في حملة الشرع الاستثمارية ؟

 

خلال زيارة أخيرة له إلى أوروبا، كان لدى أحمد الشرع عرض كان من الصعب تصوره قبل عام ونصف، فقد أخبر الحاضرين في تشاتام هاوس بأن حكومته تسعى إلى “تحويل سوريا إلى وجهة اقتصادية” لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، وقال إن الاستثمار في إعادة إعمار سوريا سيتيح لأوروبا الاستفادة مما وصفه بـ “الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي للبلاد في المنطقة”، فضلاً عن تمكين ملايين اللاجئين السوريين من العودة إلى ديارهم أخيراً.

انكب الشرع على صياغة هذا الطرح منذ أن أطيح بنظام بشار الأسد، سواء باستقبال المسؤولين الأجانب في قصر الأسد الرئاسي، أو بالسفر إلى الخارج للقاء رؤساء دول مثل ستارمر وميرتس وترامب، وقد صقل الشرع خطاباً محبباً للمستثمرين حول كيفية إعادة بناء بلاده بعد عقود من الديكتاتورية والحرب الأهلية.

وبالفعل، كثيراً ما بدا جدول الشرع الخارجي أشبه بجولة استثمارية، فقد زار تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية أربع مرات لكل منها، والإمارات ثلاث مرات، وروسيا والولايات المتحدة مرتين لكل منهما، وتترافق هذه الزيارات مع تعهدات استثمارية مبكرة لإعادة الإعمار، من بينها مشاريع أُعلن عنها العام الماضي وتصدرت عناوين الأخبار بفاتورتها البالغة 14 مليار دولار، وفي المجمل، تبنى منذ توليه السلطة عشرات المليارات من الدولارات في صفقات استثمارية لإعادة بناء البلاد، وتشمل هذه الصفقات بنية تحتية طاقوية كبرى كمحطات الكهرباء وخطوط أنابيب النفط والغاز، إلى جانب مشاريع عقارية مبهرة وتكهنية تتوقع أن تجدها في مكانٍ ما في الخليج، لا في مدينة سورية مدمرة.

السؤال الآن: هل يستطيع الشرع الوفاء بوعوده البراقة عن “سوريا جديدة” التي تنهض من الركام؟ قد تتوقف الإجابة على تحديد من هو الزبون الحقيقي لإعادة الإعمار التي يروج لها، ها هم المواطنون السوريون العاديون، أم المستثمرون الأجانب الأثرياء؟

بالنظر إلى حجم الدمار الهائل في أرجاء سوريا، حيث ما تزال مدن وبلدات كثيرة تبدو كأن الحرب انتهت للتو، فإن حاجة الحكومة إلى الاستثمار مفهومة، إذ تقدر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار (80 مليار دولار لإعادة بناء المساكن وحدها، وفق الأمم المتحدة)، وذلك في بلد لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي 20 مليار دولار (مقارنة بـ 60 ملياراً قبل الحرب) ويرزح اقتصاده تحت وطأة الدمار.

اللافت أن حكومة الشرع أعلنت صراحةً رفضها للقروض والمساعدات الدولية، مفضلة بدلاً من ذلك استقطاب الاستثمار الأجنبي لتمويل إعادة الإعمار، وقال الشرع لمستثمرين محتملين في أكتوبر الماضي خلال مؤتمر مالي في الرياض: “اخترنا طريق الإعمار عبر الاستثمار، ولم نختر طريق إعادة بناء سوريا عبر المساعدات والإعانات” وأكد أن هذا النهج يهدف إلى ألا تكون سوريا “عبئاً على أحد” غير أن الحقيقة أيضاً أن القروض والمساعدات، سواء من الدول الأجنبية أو صندوق النقد الدولي، ستأتي مصحوبة برقابة خارجية وشروط محتملة.

وأياً كان الدافع، يواصل الشرع إقناع جمهوره بأن الفرصة في سوريا هائلة وأن ثمة مجالاً للجميع، وهو طرح عاجل لزعيم قد يتوقف بقاؤه في السلطة في نهاية المطاف على مدى قدرة حكومته على جلب الأموال اللازمة لتوفير فرص العمل واستعادة سبل العيش لملايين السوريين الذين أنهكتهم الحرب.

قال عمرو العظم، الباحث السوري ومؤسس مشروع “اليوم التالي”، وهو منظمة غير حكومية تدعم التحول الديمقراطي في سوريا: “الاقتصاد ما يزال النقطة الضعيفة لهذه الحكومة، وإعادة الإعمار مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً، إن لم تتمكن من إعادة الناس إلى العمل، ومن توفير احتياجاتهم، ومن إعادة بناء بيوتهم، فكيف سيسير الحال؟”.

لكن الشرع يبدو أحياناً وكأنه يقدم الاستثمار — بعضه من قبل رجال أعمال مشبوهين تربطهم صلات بنظام الأسد — على الاحتياجات الملحة لملايين السوريين الذين فقدوا منازلهم في الحرب، فقد دمر النزاع أكثر من 60 بالمائة من البنية التحتية السورية، فيما يعيش 90 بالمائة من السكان تحت خط الفقر، وتمتد مساحة واسعة من الأنقاض حول دمشق، في حين تعاني مراكز حلب وحمص من الدمار منذ سنوات.

يضيف العظم: “لديك مليونا شخص يجلسون في خيام في إدلب، لماذا لا تسعى إلى إيوائهم؟ لماذا ينصب تركيزك على الاستثمار؟ سيعلنون عن مشروع ضخم يفترض أنه جزء من التعافي، لكنه لن يعيد بناء بلد عانى خسائر كارثية بهذا الحجم، ولن ينعش الاقتصاد”.

الانتقاد هذا يتصاعد في سوريا مع رؤية الكثيرين لخطط إعادة إعمار يعتبرونها معيبة، وقد وصف يزيد صايغ، الباحث الكبير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، أجندة إعادة الإعمار لدى الشرع بأنها “خليط غير متجانس من المراسيم السياسية الاقتصادية المتناثرة ومشاريع الاستثمار” التي لن تعالج احتياجات سوريا فعلاً، ووفقاً للأمم المتحدة، ما يزال 5.5 ملايين سوري نازحين داخلياً، في حين عاد 1.5 مليون لاجئ منذ سقوط الأسد، معظمهم من الدول المجاورة. كما عاد 1.8 مليون آخرون من مخيمات النزوح إلى بلداتهم، لكن ما وجدوه في الغالب لم يكن سوى الأنقاض.

يخشى كثير من السوريين ألا تكون المشاريع الكبرى التي أعلن عنها الشرع لإعادة الإعمار، كالـ14 مليار دولار التي كشف عنها صيف العام الماضي، موجهة لهم. فقد قدمت تلك المشاريع باعتبارها “مشاريع استراتيجية كبرى” في البنية التحتية والنقل والعقارات، غير أن شروطها كانت ضبابية وبدت مصممة في معظمها لاستقطاب اهتمام المستثمرين والإعلان بصوت عال أن هذه السوريا الجديدة مفتوحة للعمل.

خذ مثلاً مشروع الأربعة مليارات دولار لتحويل مطار دمشق الدولي المتهالك إلى مركز مواصلات “عالمي المستوى”.. يتضمن المشروع مخططاً رئيسياً مستقبلياً من تصميم “زها حديد للهندسة المعمارية”، وتقوده شركة تطوير مقرها قطر تدعى “UCC Holding”، يديرها مليارديران سوريا الأصل، أو تأمل احتمال إنشاء شبكة مترو جديدة كلياً في دمشق، تبنى من الصفر بملياري دولار من “مؤسسة الاستثمار الوطنية” الإماراتية، أو ملياري دولار أخريين لمجمع ناطحات سحاب يعرف بـ “أبراج دمشق” تقوده شركة إيطالية صورية مجهولة، أو ما يقارب 600 مليون دولار لناطحات سحاب أخرى ومركز تجاري في قلب دمشق.

هذه الصفقات — التي أبرمها الرئيس ومجموعة منغلقة تحكم فعلياً بمراسيم — جاءت أيضاً لتكشف عن الطابع الشخصاني لحكم الشرع، فقد أسس العام الماضي على سبيل المثال صندوق ثروة سيادياً جديداً لكنه ضبابي يديره موالوه، ويبدو أن واشنطن مرتاحة لكل هذا، فقد حضر مبعوث ترامب إلى سوريا، رجل الأعمال توم باراك، الذي يشغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، حفلَ التوقيع في أغسطس الماضي في دمشق ليشيد بصفقات إعادة الإعمار البالغة 14 مليار دولار.

باراك، شأنه شأن المقربين من ترامب، تربطه شبكة من علاقاته التجارية الخاصة في المنطقة، بما فيها دول كالإمارات والسعودية اللتين تستثمران في إعادة إعمار سوريا، وتتفاقم المخاوف من أن تكون أجندة إعادة الإعمار هذه مغلفة بالمحسوبية والفساد، بسبب وجود أفراد تمتد علاقاتهم المشبوهة إلى عهد نظام الأسد (حمشو وأقرباؤه)، إلى جانب الروابط المتعلقة بترامب وحاشيته والمشاريع الموعودة المرتبطة بهم (منتجع ترامب وغيرها).

قال العظم: “لا علاقة لأي من هذه المبادرات فعلياً بإعادة الإعمار، كلها مشاريع خاصة بالظاهر، تكتفي بالحديث الفارغ عن إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد”.

بات كثير من السوريين قانطين من أي عائد إيجابي مما سبق، فكما قالت إحدى النساء من داريا المدمرة لمشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط: “جيراننا نازحون، الجميع نازحون، ومع ذلك يبنون الأبراج بدلاً من مساعدتنا على إعادة بناء منازلنا”.. وصف سكان في ضواحٍ عدة مدمرة على أطراف دمشق الخطط الحكومية لإعادة بنائها عبر الاستثمار الخاص بـ”السرقة”، إذ لن يعوض أصحاب العقارات إلا جزئياً.

شبه بعضهم هذه الخطط الاستثمارية بقوانين ومراسيم الأسد الصارمة التي صادرت ممتلكات السوريين النازحين طوال سنوات الحرب، وهي التي مهدت لبناء ماروتا سيتي.. قال أحد سكان جوبر المدمرة، إن إعادة الإعمار “يجب ألا تكون على حساب حقوقنا” وأوضح أن “جوبر ليست للبيع، بعد أن دمرت بيوتنا وهجرنا لسنوات، كنا ننتظر العودة والتعويض، لا أن نحرم من كل شيء”.

في سباقها لاستقطاب المستثمرين وترويج إعادة الإعمار السورية بوصفها فرصة تجارية، قد تنقلب أجندة الشرع المحسوباتية عليه، فبدلاً من إعادة تأهيل البلاد، سترسخ إعادة الإعمار غير المتكافئة بذور الاستياء والسخط الشعبي، وإن بدت أسس “سوريا الجديدة” لدى الشرع شبيهة في نهاية المطاف بأسس النظام القديم، فستكون وصفة للاضطراب، وقد جادل جوزيف ضاهر، الاقتصادي السياسي السوري، بأن “خطر مسار إعادة إعمار حصري تقوده نخبة بعينها لن ينتج سوى إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، والإفقار، وتركز الثروة في أيدي أقلية، وغياب التنمية الإنتاجية، وهذه العناصر جميعها، لا يجب أن ينسى أنها كانت من أبرز أسباب الانتفاضة الشعبية ضد حكم الأسد”.

قال العظم: “الشرع يعد الجميع بكل شيء، لكن الخزائن فارغة”، وهو ما يفسر الانكباب على جلب الأموال الأجنبية، وسارع العظم إلى الإشارة إلى أن “ما يجري اليوم أفضل بما لا يقاس مما كان يجري في عهد الأسد”، وهو يعتقد أن ذلك يعني في أدنى الأحوال أن ثمة مجالاً للسوريين لمطالبة نظام حكمهم بشكل أكثر عدالة من إعادة الإعمار، ففي عهد بشار الأسد وأبيه حافظ الأسد على حد سواء “لم يكن ثمة أوكسجين لأحد كي يتنفس، سوى ما يوفره ويسمح به النظام.. الآن ثمة الكثير من الأوكسجين الحر، أو ما يكفي منه.. كم سيظل كذلك؟ هذا متروك لنا (لكيفية تعاملنا مع ما يحدث)”.

* المصدر: فورين بوليسي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.