صحيفة بريطانية : في سوريا .. عدالة استعراضية و صفقات مع مشتبه بهم

تحولت فرحة أحمد الحمصي، أحد أعضاء تنسيقية وثقت الفظائع التي ارتكبها نظام بشار الأسد في التضامن، إلى غضب عندما شاهد اعترافاً بدا قسرياً، نشرته وزارة الداخلية لأمجد يوسف بعد أن وضعته أمام الكاميرا، حيث قال إنه ارتكب جرائمه بمفرده دون إيعاز من أحد.
يقول الحمصي: “بالطبع أزعجنا ذلك. بالطبع لم يعجبني ما قاله. كان هذا تغطية على آخرين (متورطين).. هناك العديد من المجرمين الآخرين. نريد أن نعرف كل من كان يشغل منصباً أو كان مسؤولاً وقت ارتكاب تلك المجازر”.
كشف ما أعقب اعتقال يوسف عن شد وجذب بين رؤيتين مختلفتين تماماً للعدالة الانتقالية في سوريا، ولمستقبل البلاد عموماً، يطالب ضحايا فظائع الأسد، وكذلك ضحايا أطراف أخرى في الحرب الأهلية الطويلة في البلاد، بعمليات مساءلة شفافة، ومع ذلك، أعطى بعض المسؤولين في الحكومة السورية الجديدة الأولوية للأمن الداخلي، من خلال استعراض اعتقال بعض أعوان الأسد، إلى جانب عقد صفقات مع آخرين باسم الاستقرار.
يقول علي الجاسم الباحث في مركز دراسات النزاع في جامعة أوتريخت: “لقد انتقلنا من العدالة الانتقالية إلى العدالة الانتقائية والاستعراضية.. الفكرة هي أنك تعتقل بضعة أشخاص، تضعهم على التلفاز وتستخدمهم ككبش فداء”.
إلى جانب فيديو اعتراف يوسف، أشار الجاسم أيضاً إلى أول جلسة استماع عاطف نجيب، حيث أن التركيز الضيق على استعراض معاقبة عدد قليل من “الأشرار” يمكن أن يصرف الانتباه عن مواجهة حقيقية مع جرائم الماضي، بحسب نوشا قبوات، رئيسة برنامج سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
قالت قبوات: “العدالة الانتقالية ليست مجرد عملية عقابية، إنها تتعلق بإعادة بناء مجتمع وإعادة بناء الثقة، وبينما يعد قدر من الاستعراض جزءاً من ذلك، لا ينبغي أن يطغى على العدالة، وتجب معاملة الشعب السوري كشركاء لا كمشاهدين، في عملية إعادة البناء”.
حذر الجاسم، الذي شارك في كتابة تقرير حديث حول صفقات الحكومة مع شخصيات من النظام السابق مثل محمد حمشو وسامر فوز، من أن نهج “الأمن أولاً” قد يكون له عواقب طويلة الأمد على مستقبل سوريا، وقال: “هذه الصفقات لا علاقة لها بالعدالة أو الابتعاد عن الماضي، بل إنها تخاطر بإعادة إنتاج الهياكل الاستبدادية من ذلك الماضي”.
أضاف الجاسم: “حتى أولئك الذين يحمون فادي صقر الآن سيقولون لك إنه مجرم، لكنه مفيد لهم، منطقهم هو.. إذا اعتقلت فادي، فإنك تعتقل شخصاً واحداً فقط، لكن إذا أبقيت عليه، فسوف يقودك إلى كثيرين آخرين”.
الحكومة السورية منقسمة داخلياً بشأن نهج العدالة الانتقالية، لكن ليس لجميع الأطراف نفس النفوذ، ففي حين دمجت الإدارة ناشطين ومحامين وأكاديميين سابقين مكرسين للعدالة الانتقالية، يقول محللون إن اتخاذ القرار في القضايا الأمنية يقع في يد دائرة ضيقة من المقربين من الشرع، وأولئك يفضلون نهجاً يركز على الأمن.
أثار التعاون بين مسؤولي النظام السابق والحكومة غضب الضحايا، الذين، رغم تفهمهم للحاجة إلى الاستقرار، يشعرون بالإحباط بسبب غياب الشفافية.
قال الحمصي، الذي التقى مسؤولين سوريين لمناقشة مخاوف عائلات التضامن بشأن دور صقر في الحكومة الجديدة: “لدينا ثقة في الحكومة، لا نريد أن نقول فوراً لا، هذا غير صحيح، لكننا سنطالب بحقوقنا وحقوق جميع العائلات”.
على مدى سنوات، وثق الحمصي الفظائع في التضامن بصمت، متسللاً عندما لا يراه أحد لالتقاط الصور وجمع المعلومات همساً، والآن بعد رحيل الأسد، هو مصمم على رؤية تلك الأدلة تستخدم، عندها فقط يمكن له ولسكان التضامن الآخرين المضي قدماً في حياتهم.
قال الحمصي: “الناس يعودون ويريدون العيش في منازلهم، يريدون إعادة البناء، لكننا نقف هناك ونقول.. هذا المكان برمته مقبرة جماعية، إنه مليء بالشهداء، لا يمكنكم البناء بعد، لا يمكنكم محو مسرح الجريمة”.
صحيفة غارديان البريطانية.