السوق العثماني المسقوف في حمص يستعيد نبضه

بعد سنوات من الدمار الذي خلفته الحرب، بدأ السوق العثماني المسقوف في مدينة حمص وسط سوريا، باستعادة مكانته التاريخية والتجارية، بشكل تدريجي، مع عودة التجار إلى محالهم وانبعاث الحرف التقليدية التي ارتبطت به على مدى قرون.

عودة الحياة لهذا المكان التاريخي، الذي شيد خلال العهد العثماني أي قبل نحو 400 إلى 500 عام، جاءت في أعقاب أعمال ترميم وإعادة تأهيل شهدها السوق الذي يعد أحد أبرز المعالم العمرانية في المدينة.

ويقع السوق في قلب مدينة حمص، ويتميز بطرازه المعماري القائم على الحجارة البازلتية السوداء المنحوتة، وهو طراز يمنحه هوية بصرية خاصة يميزه عن كثير من الأسواق التاريخية في المنطقة.

وبعد سنوات طويلة من المعارك التي شهدتها المدينة، بدأ السوق يستعيد تدريجيا حيويته، مع استئناف الأنشطة التجارية التي كانت تشكل جزءا من الحياة اليومية لسكان حمص.

وظلت الأسواق في مدينة حمص، ومنها السوق العثماني المسقوف، مغلقة ومحاصرة طوال سنوات الحرب، بعدما تركز القصف في محيطها، قبل أن تبدأ أعمال ترميمها وإعادة فتحها تدريجيا.

وشهدت سوريا، منذ عام 2011، حربا خلفت مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، قبل أن تبسط فصائل سورية سيطرتها على دمشق بعد مدن أخرى، منهية 61 عاما من نظام حزب البعث الدموي، و53 سنة من حكم عائلة الأسد.

يعد السوق العثماني المسقوف من أهم المراكز التاريخية والتجارية في حمص، إذ لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل مثل على مر العقود فضاء اقتصاديا واجتماعيا يجمع مختلف المهن والحرف التقليدية تحت سقف واحد.

وجرى تصميم السوق وفق الطراز المعماري العثماني الذي يعتمد على الأقواس والأسقف المغطاة، بهدف حماية التجار والمتسوقين من حرارة الصيف وأمطار الشتاء، وهو ما منحه طابعا عمرانيا مميزا حافظ على وظيفته عبر مئات السنين، ولا يزال يشكل أحد أبرز عناصر جماله المعماري حتى اليوم.

وفي قلب السوق يقع حمام عثمان آغا التاريخي، أحد أبرز المعالم التراثية في المنطقة، إذ يعكس جانبا من الإرث العمراني الذي تركه العهد العثماني في حمص.

ورغم القصف العنيف والدمار الواسع الذي تعرض له السوق خلال سنوات الحرب، فإن بنيته المعمارية المتينة مكنته من الصمود، قبل أن تبدأ أعمال الترميم التي أعادت إليه تدريجيا مظاهر الحياة.

ومع إعادة افتتاح أجزاء واسعة منه، عادت الحرف التقليدية التي ارتبطت بالسوق تاريخيا إلى نشاطها، من بينها: صناعة النحاس، والحدادة، وصناعة المنسوجات، والحرير، والملابس، والغزل، وخياطة الأعلام، ليستعيد السوق بذلك دوره في الحفاظ على الهوية التاريخية والحرفية لمدينة حمص.

وقال الحاج هزاع محمد عبد الحميد الجندي (68 عاما)، أحد أحفاد عثمان آغا الجندي، مؤسس السوق، في حديثه للأناضول، إنه يشعر بفخر كبير وهو يشاهد هذا المعلم التاريخي يعود إلى الحياة من جديد بعد سنوات الحرب.

وأوضح أن السوق لم يكن مجرد مركز تجاري بالنسبة لأبناء المدينة، بل شكل جزءا من ذاكرتهم الجماعية وحياتهم اليومية.

وأضاف: “أسس جدنا الأكبر عثمان آغا الجندي هذا المشروع الكبير حتى يتمكن أهالي حمص من تلبية جميع احتياجاتهم في مكان واحد. فقد أراد أن يوفر عليهم عناء الانتقال إلى أماكن متفرقة، فجمع الصيارفة وباعة الأقمشة والخضار ومختلف الحرفيين والتجار داخل مركز تجاري متكامل”.

وتابع: “لقد زرت دولا كثيرة حول العالم، لكنني لم أرَ مكانًا يتمتع بمثل هذه الهندسة المعمارية وهذا التنظيم”.

وأشار الجندي إلى أن السوق شكل على مدى عقود القلب التجاري النابض لحمص، إذ كان يضم مختلف المهن والأنشطة التجارية، وهو ما منحه مكانة خاصة في نفوس سكان المدينة وزائريها.

ويرى الجندي أن عودة التجار والحرفيين إلى السوق لا تعني فقط استئناف النشاط الاقتصادي فيه، بل تمثل كذلك خطوة مهمة في استعادة الحياة الطبيعية والحفاظ على الإرث التاريخي والثقافي لمدينة حمص.

وقال إن السوق تعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب، إلا أن تصميمه المعماري المتين مكنه من الصمود في وجه القصف والخراب الذي طال أجزاء واسعة من المدينة.

وزاد: “صمدت عمارة السوق أمام هذا الدمار. واليوم بدأ الناس يعودون إلى محالهم ومنازلهم، وينظفونها ويرممونها. لقد فتح السوق أبوابه من جديد، وهو يستعيد تدريجيًا روحه القديمة”.

واعتبر عودة الحياة إلى السوق دليلا على قدرة المدينة على النهوض من جديد، ليبقى السوق المسقوف شاهدا على تاريخها وإرثها الحضاري.

وفي أغسطس/ آب 2024، انطلقت المرحلة الأولى من مشروع ترميم أسواق حمص التراثية، قبل أن تتواصل خلال 2025 عبر استكمال ترميم الأسقف والأقواس الحجرية وتأهيل البنية الخدمية، تمهيدا لإعادة تنشيط الحركة التجارية.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، قال معاون محافظ حمص، فارس الأتاسي، في تصريحات لتلفزيون سوريا (خاص)، إن أعمال ترميم نهائية كانت تنفذ في السوق عبر منظمة التنمية السورية بتبرعات من منظمات وتجار وصناعيين من أبناء مدينة حمص.

وأضاف أن السوق تعرض للنهب والتخريب على يد النظام المخلوع، فيما تتواصل الجهود لترميم 14 سوقا تضم نحو ألف محل أثري. (ANADOLU)

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.