ادعى أنه مثلي خوفًا من العودة إلى العراق.. المحكمة العليا تعيد النظر في ترحيله من سويسرا

أعادت المحكمة الاتحادية السويسرية ملف ترحيل رجل عراقي يعيش في سويسرا منذ أن كان في الرابعة من عمره إلى المحكمة العليا في كانتون زيورخ، بعدما اعتبرت أن مسألة ميوله الجنسية والخطر الذي قد يواجهه في العراق لم تُفحص بصورة كافية قبل اتخاذ قرار بإبعاده من البلاد لمدة خمس سنوات.
القضية تتعلق بمواطن عراقي وُلد في بغداد وانتقل إلى سويسرا وهو في الرابعة من عمره، حيث عاش هناك طوال نحو 26 عامًا، وحصل على صفة لاجئ وإقامة دائمة من فئة C. وبذلك يكون الرجل في حدود الثلاثين من العمر، مع عدم نشر المحكمة اسمه أو تاريخ ميلاده الكامل لأسباب تتعلق بحماية البيانات. (–)
الرجل يتحدث الألمانية بطلاقة ويعمل في مجال دعم تقنية المعلومات، وكان يحصل وفق أقواله على دخل صافٍ يبلغ نحو 4400 فرنك سويسري شهريًا، كما بدأ تدريبًا مهنيًا إضافيًا في مجال الأمن السيبراني. وفي المقابل، أشارت المحكمة إلى تراكم ديون عليه بنحو 120 ألف فرنك، إضافة إلى سجله الجنائي السابق. (–)
وتعود القضية الجنائية الحالية إلى إدانته من محكمة زيورخ العليا بالسرقة ومحاولة انتهاك حرمة مسكن، بعدما خلص القضاء إلى تورطه في سرقة محافظ خدمة تحتوي على أموال تقدر بنحو 10 آلاف فرنك من مطعم. وكانت آثار حمضه النووي قد عُثر عليها على شبكة نافذة في موقع الحادث. (–)
وفي يناير 2024 حكمت المحكمة العليا في زيورخ عليه بالسجن 13 شهرًا دون وقف التنفيذ، إضافة إلى الطرد من سويسرا لمدة خمس سنوات وإدراج قرار الطرد في نظام معلومات شنغن SIS. وكان قد سبق أن أدين أربع مرات، من بينها عقوبة سجن نافذة لمدة ستة أشهر، وهو ما دفع القضاء إلى اعتبار احتمال عودته لارتكاب الجرائم مرتفعًا. (–)
الرجل طعن بالحكم أمام المحكمة الاتحادية، مطالبًا باعتبار الواقعة محاولة سرقة فقط وخفض العقوبة إلى 12 شهرًا مع وقف التنفيذ كليًا أو جزئيًا، كما طالب بإلغاء قرار ترحيله من سويسرا. إلا أن المحكمة الاتحادية رفضت اعتراضاته المتعلقة بالإدانة والعقوبة، معتبرة أن تقييم الأدلة من جانب محكمة زيورخ لم يكن تعسفيًا وأن سجله الجنائي يبرر تنفيذ عقوبة السجن دون وقفها. (–)
لكن النقطة التي قلبت مسار القضية تعلقت بقرار الترحيل إلى العراق.
فالرجل أعلن، للمرة الأولى خلال إجراءات الاستئناف أمام محكمة زيورخ، أنه مثلي الجنس، وقال إن إعادته إلى العراق قد تعرضه للتمييز والعنف وربما القتل بسبب ميوله الجنسية. وكانت محكمة زيورخ قد أبدت شكوكًا في صحة أقواله، ولا سيما أنه لم يثر هذا الأمر في مراحل سابقة من القضية، وأن إعلانه الأمر لأحد أشقائه كان حديثًا نسبيًا. (–)
المحكمة العليا في زيورخ كانت قد اعتبرت أيضًا أنه حتى بافتراض صحة أقواله، فإنه يستطيع العيش في العراق دون إعلان ميوله الجنسية علنًا. كما استندت إلى حكم سابق يفيد بعدم وجود اضطهاد جماعي لجميع المثليين في العراق. (–)
إلا أن المحكمة الاتحادية السويسرية رفضت هذا المنطق بشكل واضح.
وقالت المحكمة إن عدم وجود اضطهاد جماعي لجميع المثليين لا يعني عدم وجود خطر حقيقي على الفرد، مشيرة إلى أن المثليين في العراق قد يواجهون التمييز، والعنف الجنسي، والخطف، والقتل المستهدف، بما في ذلك جرائم ترتكبها عائلات أو عناصر شرطة أو جماعات مسلحة. كما أشار الحكم إلى تقارير عن اعتداءات وعمليات قتل مرتبطة بما يسمى جرائم الشرف، وإلى عدم قدرة الضحايا في حالات معينة على الاعتماد على حماية السلطات. (–)
وأكدت المحكمة الاتحادية مبدأً مهمًا في القضية، وهو أن الميول الجنسية جزء أساسي من هوية الإنسان، ولا يجوز مطالبة شخص بإخفائها لتجنب الاضطهاد. ولذلك لم تقبل الحجة التي تقول إن الرجل يستطيع تجنب الخطر بمجرد عدم إظهار ميوله الجنسية في العراق. (–)
لكن المحكمة الاتحادية لم تقرر في الوقت نفسه أن الرجل مثلي فعلًا، ولم تلغِ قرار ترحيله نهائيًا.
المشكلة، بحسب الحكم، هي أن محكمة زيورخ لم تحسم أصلًا ما إذا كان ادعاؤه بشأن ميوله الجنسية موثوقًا وصحيحًا، رغم أن هذه المسألة قد تكون حاسمة لتحديد ما إذا كان ترحيله إلى العراق جائزًا قانونيًا أم أن هناك خطرًا يمنع تنفيذ الإبعاد.
ولهذا أعادت المحكمة الاتحادية هذا الجزء من الملف إلى محكمة زيورخ لإجراء تقييم جديد والتحقق من صدقية أقوال الرجل بشأن ميوله الجنسية، ثم اتخاذ قرار جديد بشأن إمكانية تنفيذ الطرد.
ويتمتع الرجل أصلًا بوضع قانوني قوي نسبيًا في سويسرا؛ فهو يعيش في البلاد منذ نحو 26 عامًا، دخل إليها طفلًا في الرابعة، ويتحدث الألمانية بطلاقة، ولديه إقامة دائمة، بينما لا يملك – وفق الحكم – أقارب أو شبكة اجتماعية في العراق، كما أن قدرته على استخدام العربية محدودة ولا يستطيع القراءة أو الكتابة بها. (Bundesgerichts-Entscheidungen)
مع ذلك، رأت المحاكم أن هذه الروابط القوية بسويسرا لا تلغي تلقائيًا المصلحة العامة في إبعاده بسبب سجله الجنائي المتكرر. فقد بدأت إداناته منذ بلوغه نحو 22 عامًا، وارتكب بعض الجرائم خلال فترات اختبار، ولم تمنعه عقوبات سابقة، من بينها السجن ستة أشهر، من العودة إلى ارتكاب الجرائم. (Bundesgerichts-Entscheidungen)
وبالتالي يبقى الحكم بالسجن 13 شهرًا نافذًا، كما بقيت الإدانة الجنائية قائمة، في حين أن النقطة التي ستُعاد دراستها تتعلق أساسًا بقرار الترحيل وإمكانية تنفيذه إلى العراق في حال أثبت الرجل بصورة مقنعة أنه مثلي وأن عودته ستعرضه لخطر فعلي.
وصدر حكم المحكمة الاتحادية في القضية رقم 6B_438/2024 بتاريخ 25 أغسطس/آب 2026، بينما نُشرت تفاصيله إعلاميًا في سويسرا بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2026. (–)