ماذا نعرف عن باب المندب؟ ولماذا قد تغيّر السيطرة عليه موازين الحرب والتجارة العالمية؟

عاد مضيق باب المندب إلى واجهة الأحداث بقوة مع التقدم الكبير الذي حققته جماعة الحوثي على الساحل الغربي لليمن خلال الأيام الأخيرة، وسيطرتها على مواقع وجزر استراتيجية قرب المضيق، في تطور لا يقتصر أثره على الحرب اليمنية، بل يمتد مباشرة إلى حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

يقع باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من الجهة المقابلة، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ويبلغ عرض أضيق جزء منه نحو 29 كيلومترًا فقط، ما يجعله واحدًا من أهم «عنق الزجاجة» البحرية في العالم. ومن خلاله تعبر السفن المتجهة من آسيا والخليج إلى قناة السويس والبحر المتوسط وأوروبا. وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر هذا المسار، فيما تعبره كميات تعادل نحو 7% من إنتاج النفط العالمي. 

وتكمن خطورته في أن تعطيله لا يعني ببساطة اختيار طريق قريب آخر؛ فالسفن التي تتجنب باب المندب تضطر إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يضيف آلاف الكيلومترات وأيامًا من الإبحار ويرفع تكاليف الوقود والتأمين والشحن، وهو ما ظهر بالفعل خلال الهجمات الحوثية على الملاحة منذ عام 2023. 

من يسيطر عليه اليوم؟

حتى آخر تحديثات 14 سبتمبر 2026، بات الحوثيون يملكون اليد العليا على الجانب اليمني من باب المندب بعد سلسلة من المكاسب السريعة. فقد سيطروا على مدينة وميناء المخا، ومنطقة ذباب، وجزيرة ميون الواقعة داخل المضيق نفسه، إضافة إلى مناطق واسعة من الساحل الغربي. وأكد مصدر عسكري حكومي يمني لوكالة الأناضول قبل أيام أن الجماعة باتت تسيطر عمليًا على مواقع باب المندب من الجانب اليمني. 

ولم يتوقف التقدم عند ذلك. ففي أحدث تطور، سيطر الحوثيون أيضًا على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى في جنوب البحر الأحمر، على بعد نحو 160 كيلومترًا شمال باب المندب، بعد انسحاب قوات موالية للحكومة منهما. وبهذا أصبحت الجماعة تملك سلسلة مواقع ساحلية وجزر تمنحها قدرة أكبر على مراقبة وتهديد الملاحة في جنوب البحر الأحمر. 

لكن القول إن الحوثيين «يسيطرون على باب المندب» يحتاج إلى توضيح: الجماعة لا تملك البحر والممر الدولي قانونيًا ولا تستطيع التحكم المطلق بكل سفينة تعبره، لكنها باتت تسيطر على المواقع اليمنية الأكثر حساسية المطلة عليه، وبينها ميون وذباب والمخا، وهو ما يمنحها قدرة عسكرية كبيرة على تهديد السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق. ورويترز وصفت التطور بأنه حصول الحوثيين على موقع يطل على أحد أهم شرايين الملاحة في العالم. 

أين وصلت المعارك؟

المعارك لم تنتهِ. القوات الحكومية اليمنية وحلفاؤها بدأوا خلال الساعات الأخيرة هجمات مضادة في غرب تعز والساحل الغربي في محاولة لوقف التقدم الحوثي واستعادة المواقع المفقودة.

وأعلن الجيش اليمني في 14 سبتمبر استعادة مواقع غربي تعز والتقدم باتجاه مناطق جديدة، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتعزيزات حوثية في ذباب والوازعية وحيفان ومناطق أخرى. كما تحدثت مصادر ميدانية عن إعادة تجميع قوات حكومية وقوات موالية لها استعدادًا لمحاولة التقدم مجددًا باتجاه الساحل. 

وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن القوات الحكومية تحاول حاليًا إعادة تنظيم صفوفها والتقدم نحو ذباب بعد الخسائر التي تعرضت لها في المخا وميون، ما يعني أن معركة باب المندب ما تزال مفتوحة ويمكن أن تتغير خريطة السيطرة مجددًا. 

في الوقت نفسه، تبقى جبهات مقبنة والكدحة وجبل حبشي والوازعية غرب تعز مشتعلة، وهي مناطق مهمة لأن السيطرة عليها تؤثر مباشرة في طرق الإمداد المؤدية إلى الساحل والمخا وباب المندب. 

لماذا أصبح المضيق أخطر الآن؟

التوقيت يجعل التطورات الحالية أكثر حساسية من أي وقت مضى. فمع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحت السعودية ودول الخليج تعتمد بصورة أكبر على تصدير النفط عبر البحر الأحمر والموانئ الغربية.

وهنا يأتي باب المندب كطريق بديل رئيسي. لكن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وضع هذا الطريق أيضًا تحت ضغط عسكري، لتجد أسواق الطاقة نفسها أمام تهديد متزامن عند هرمز شرقًا وباب المندب غربًا. وتقول رويترز إن هذا التطور يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط كبيرة على صادرات النفط والتجارة العالمية. 

وقد بدأت النتائج تظهر بالفعل، إذ ارتفعت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وازدادت كلفة التأمين على السفن والناقلات العابرة للبحر الأحمر، وسط مخاوف من اضطرار مزيد من شركات الشحن إلى العودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح. 

ماذا يعني سقوط باب المندب بالكامل؟

إذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم على الساحل والجزر ومنع القوات الحكومية من العودة، فإنهم سيحصلون على واحدة من أقوى أوراق الضغط الجيوسياسي في المنطقة. فبدل أن تكون المعركة محصورة داخل اليمن، سيصبح بوسع الجماعة التأثير مباشرة في تجارة أوروبا وآسيا وصادرات النفط الخليجية وحركة قناة السويس.

أما إذا نجحت القوات الحكومية في استعادة ذباب وميون والمخا، فإن ذلك سيبعد الحوثيين عن نقطة الاختناق البحرية ويعيد قدرًا من التوازن إلى الساحل الغربي.

لهذا لم تعد معركة باب المندب مجرد جبهة يمنية؛ بل أصبحت معركة على ممر بحري عالمي يمكن أن يؤدي تعطيله إلى ارتفاع أسعار النفط والشحن والسلع في عشرات الدول.

المصادر: رويترز، أسوشيتد برس، وكالة الأناضول، الجزيرة، وتصريحات رسمية للقوات الحكومية اليمنية والحوثيين. 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.