بعد أن تصدر انتخابات العاصمة للمرة الأولى في تاريخه.. من هو حزب اليسار الألماني وما الذي يريده للمهاجرين واللاجئين؟

 

حقق حزب اليسار الألماني Die Linke واحدة من أكبر مفاجآت انتخابات برلين، بعدما حصل على 25.7% من الأصوات وفق النتيجة الأولية، مقارنة بـ12.2% فقط في انتخابات 2023، ليضاعف نتيجته ويتصدر انتخابات العاصمة للمرة الأولى في تاريخه. وحصل الحزب على 47 مقعدًا من أصل 158 في البرلمان الجديد. 

واللافت أن صعود اليسار كان قويًا خصوصًا بين الشباب؛ إذ أظهر تحليل ZDF أن نحو نصف الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا صوتوا للحزب، كما تصدر بين الفئة من 30 إلى 44 عامًا بنسبة 33%. 

لكن من هو هذا الحزب الذي أصبح فجأة القوة السياسية الأولى في العاصمة الألمانية؟ وماذا تعني توجهاته بالنسبة للمهاجرين واللاجئين المقيمين في ألمانيا؟

حزب يساري جذوره تمتد إلى ألمانيا الشرقية

تأسس حزب Die Linke بشكله الحالي عام 2007 نتيجة اندماج حزب PDS مع حركة WASG التي نشأت في غرب ألمانيا وضمّت، من بين آخرين، شخصيات انفصلت عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD احتجاجًا على إصلاحات سوق العمل والسياسة الاجتماعية.

أما PDS فكان وريثًا سياسيًا لحزب SED الذي حكم ألمانيا الشرقية ذات النظام الاشتراكي حتى سقوط جدار برلين. ولهذا السبب ظل تاريخ الحزب وعلاقته بإرث ألمانيا الشرقية موضوعًا سياسيًا مثيرًا للجدل منذ تأسيسه. 

مر الحزب لاحقًا بأزمات وصراعات داخلية حادة، وانفصل عنه الجناح المحيط بالسياسية سارا فاغنكنشت ليؤسس BSW. وبعد فترة بدا خلالها أن Die Linke مهدد بالتراجع الكبير، عاد بقوة في الانتخابات الاتحادية لعام 2025، ثم حقق الآن أفضل نتيجة في تاريخه في برلين. 

ماذا يريد حزب اليسار للمهاجرين؟

يُعد Die Linke من الأحزاب الألمانية التي تتبنى سياسة أكثر انفتاحًا في قضايا الهجرة واللجوء والاندماج. ويعارض تشديد سياسة اللجوء على نحو يراه مقيدًا لحقوق طالبي الحماية، كما يؤكد مكافحة العنصرية والتمييز وتوسيع المشاركة السياسية والاجتماعية للأشخاص ذوي الأصول المهاجرة.

وفي برلين تحديدًا، ترتبط مرشحته الرئيسية إليف إرالب منذ سنوات بملفات الهجرة والاندماج ومكافحة التمييز. وهي محامية من أصول تركية، عملت في مجال قانون الهجرة، وتنشط في قضايا مشاركة الأشخاص ذوي التاريخ المهاجر ومكافحة العنصرية. 

وقالت إرالب بعد الانتخابات إنها تريد تمثيل سكان المدينة بمختلف مناطقهم وخلفياتهم، وربطت فوز حزبها بالسعي إلى برلين أكثر عدالة اجتماعية. وإذا تمكنت من تشكيل أغلبية وانتُخبت للمنصب، فقد تصبح أول امرأة ذات خلفية مهاجرة تتولى رئاسة حكومة برلين. لكن تصدر الانتخابات وحده لا يمنحها المنصب تلقائيًا؛ الأمر يتوقف على مفاوضات الائتلاف وانتخاب رئيس الحكومة من البرلمان. 

السكن والأجور ودولة الرفاه في قلب برنامجه

ولا تقتصر سياسة اليسار تجاه المهاجرين على الهجرة واللجوء. فجوهر برنامجه اقتصادي واجتماعي؛ الحزب يصنف ضمن اليسار الاشتراكي ويطالب بدور أكبر للدولة في الاقتصاد، وضرائب أعلى على أصحاب الثروات والدخول المرتفعة، وتوسيع الخدمات العامة والحماية الاجتماعية. 

وفي برلين كان السكن والإيجارات القضية المركزية في حملة الحزب. ودافع عن إجراءات واسعة لخفض عبء الإيجارات وزيادة المساكن الميسورة، كما يؤيد تنفيذ نتيجة استفتاء 2021 بشأن تحويل ممتلكات شركات عقارية كبيرة إلى الملكية العامة وفق الشروط القانونية المقررة. 

وهذه الملفات تمس المهاجرين كما تمس بقية سكان برلين، خصوصًا الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، لكنها ليست سياسات مخصصة للمهاجرين وحدهم.

حزب مثير للجدل أيضًا

في المقابل، يواجه Die Linke انتقادات حادة من خصومه، ولا سيما بشأن بعض سياساته الاقتصادية والأمنية والخارجية. كما شهد فرع الحزب في برلين خلافات مرتبطة بالحرب في غزة والموقف من إسرائيل، ووجه سياسيون ومنظمات يهودية انتقادات لبعض المواقف والتصريحات داخل الحزب واتهموها بتجاوزات معادية للسامية؛ الحزب وشخصيات داخله يرفضون تعميم هذه الاتهامات ويؤكدون التزامهم بمكافحة معاداة السامية والعنصرية. 

كما أن الحزب ليس كتلة فكرية واحدة، بل يضم تيارات مختلفة، وبعضها أكثر راديكالية من غيره في الاقتصاد والسياسة الخارجية. وتشير الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي إلى أن الصراعات بين تيارات الحزب كانت سمة مهمة في تاريخه، وإن تراجعت حدتها بعد انفصال BSW. 

ماذا يحدث الآن في برلين؟

الفوز الكبير لا يعني أن اليسار سيحكم برلين تلقائيًا. فهو يمتلك 47 مقعدًا فقط، بينما تتطلب الأغلبية المطلقة 80 مقعدًا.

لذلك تحتاج إرالب إلى شركاء لتشكيل حكومة. كما أن CDU أعلن رفضه تشكيل ائتلاف مع اليسار، في حين توجد خلافات سياسية بين الأحزاب الأخرى بشأن شكل الحكومة المقبلة. وبالتالي ستكون مفاوضات تشكيل الائتلاف هي المرحلة التي ستحدد ما إذا كان الانتصار الانتخابي سيتحول فعلًا إلى حكومة يقودها Die Linke. 

وبالنسبة للمهاجرين في ألمانيا، فإن صعود الحزب مهم سياسيًا لأن Die Linke يدافع عن نهج أكثر انفتاحًا في الهجرة واللجوء ومكافحة التمييز، إلى جانب سياسات اجتماعية واسعة في السكن والأجور والخدمات العامة. لكن معظم هذه الملفات، خصوصًا قوانين الجنسية والإقامة واللجوء، تُحسم أساسًا على المستوى الاتحادي وليس بواسطة حكومة برلين وحدها.

المصدر: النتائج الأولية لانتخابات برلين – ZDF – ARD/Tagesschau – الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي (bpb) – برنامج ومصادر حزب اليسار.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي عكس السير وإنما عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.