قبيل الشتاء.. أوروبا تواجه “عاصفة ديزل” يحركها ترامب

مع تهديد واشنطن بتقييد صادرات الديزل، في ظل الحرب الأمريكية على إيران، تواجه أوروبا ضغوطا متزايدة على منظومة الطاقة، بالنظر إلى تراجع مستويات المخزونات وارتفاع الاعتماد على واردات النفط والغاز والوقود من الخارج.
وكشفت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط محدودية هامش التحرك أمام الاقتصادات الأوروبية في مواجهة صدمات الطاقة، لا سيما أن القارة تستورد نحو 58 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، حسب إحصاءات معهد الإحصاءات الأوروبية (يوروستات).
وأعاد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل، في حال لم تسحب الدول الأوروبية من مخزوناتها الاحتياطية، تسليط الضوء على هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية، إذ لا تكفي احتياطيات البنزين سوى 66 يوما، والديزل 90 يوما، ووقود الطائرات نحو 60 يوما، في ظل اعتماد شبه كامل على استيراد منتجات الطاقة.
تهديد وأزمة
وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، الجمعة، إن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية يظل خيارا مطروحا لاحتواء ارتفاع الأسعار.
وأضاف المفوض الأوروبي، في مقابلة مع قناة “يورونيوز” غداة تهديد ترامب، أن الاتحاد يناقش مع جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، وليس مع الولايات المتحدة وحدها، التوقيت المناسب للسحب من مخزونات الديزل.
والخميس، قال ترامب خلال حملته الانتخابية في ولاية تكساس قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكي، إنه “ربما” يدعو الدول الأوروبية إلى السحب من احتياطياتها، مشيرا إلى أن فرض حظر أو قيود على صادرات الديزل الأمريكية لا يزال خيارا مطروحا.
ويأتي التهديد الأمريكي في محاولة لخفض الأسعار، في ظل ارتفاع حاد ناجم خصوصا عن الحرب في الشرق الأوسط مع اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وبلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.41 دولارات للغالون في 30 سبتمبر/أيلول 2026، بعد أن سجل رقمًا قياسيًا عند 6.53 دولارات في 22 سبتمبر، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
اعتماد على الخارج
وأوروبا ليست أفضل حالا من الولايات المتحدة، إذ سجلت أسعار الديزل في محطات أوروبا مستوى قياسيا جديدا مع بلوغ متوسط السعر للأسبوع الحالي 2,24 يورو للتر الواحد، بزيادة قدرها سنتا واحد عن الرقم القياسي المسجل في الأسبوع السابق، وفق تجميع لبيانات وطنية نشرته المفوضية الأوروبية الخميس.
اعتماد على الخارج
وبحسب إحصاءات معهد الإحصاءات الأوروبية (يوروستات)، يعتمد الاتحاد الأوروبي على الخارج لتغطية 96 بالمئة من احتياجاته النفطية و85 بالمئة من الغاز.
وبينما تعاني فيه أوروبا من ضغوط متزايدة على قطاع الطاقة نتيجة تضرر الإمدادات بسبب الحرب الأمريكية على إيران، يأتي التهديد الأمريكي ليزيد من حدة الأزمة، خصوصا في ظل تدني حجم احتياطات القارة من منتجات الطاقة.
وتمتلك أوروبا احتياطيات من وقود الطائرات تكفي لنحو شهرين فقط، وهي عند أدنى مستوياتها منذ عام 2019، فيما تكفي مخزونات النفط لنحو 60 يوما، وفق موقع “يورو أويل ووتش” (مستقل يعتمد أرقام يوروستات).
وحسب المصدر ذاته، تكفي مخزونات البنزين 66 يوما، مقابل نحو 90 يوما للديزل.
وتظهر إحصاءات “يورو أويل ووتش” أن 15 دولة من أصل 27 عضوا في الاتحاد تقل مخزوناتها من الديزل عن مستوى 90 يوما، بينها 11 دولة توصف أوضاعها بأنها “حرجة”.
وأضاف المصدر ذاته، أن المعطيات المتعلقة بالبنزين، تشير إلى أن 19 دولة من أصل 27 تواجه مستويات مخزون حرجة، بينها إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، فيما تهبط الاحتياطيات إلى أقل من 33 يوما في رومانيا وليتوانيا.
ويتضح مدى عمق الأزمة الأوروبية جراء التهديد الأمريكي، مع اعتماد القارة العجوز بشكل شبه كام على الولايات المتحدة في توفير منتجات الديزل.
وارتفعت الواردات الأوروبية من الديزل الأمريكي بنحو 99 بالمئة بين فبراير/ شباط ويونيو/ حزيران الماضيين على أساس سنوي، بالتزامن مع تراجع الإمدادات من منطقة الخليج وروسيا.
وتستورد المملكة المتحدة نحو 55 بالمئة من احتياجاتها من الديزل، يأتي قرابة ثلثها من الولايات المتحدة.
محدودية مخزونات الغاز
وتمتد أزمة الطاقة في أوروبا إلى الغاز أيضا، إذ تبلغ مخزوناته في دول الاتحاد نحو 71.5 بالمئة حتى أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، مقابل متوسط موسمي يقدر بنحو 92 بالمئة، وفق منظمة البنية التحتية للغاز بأوروبا (خاصة).
وشكلت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة نحو 57 بالمئة من إجمالي الإمدادات بعد تراجع تلك الإمدادات من دول الخليج بعد اندلاع الحرب على إيران.
وتتعمق الأزمة مع زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، ما يجعل اقتصاد الاتحاد الأوروبي عرضة لتقلبات أسعار النفط، لا سيما في قطاع النقل، وفق البنك الأوروبي للاستثمار.
وأضاف البنك، في تقرير صادر في أبريل/ نيسان الماضي، أن الغاز الطبيعي يعد مصدرا رئيسيا للتدفئة في فصل الشتاء، فيما تحتاج أوروبا حاليا إلى “تجديد مخزونها من الغاز الطبيعي المسال بأسعار قد ترتفع بنسبة 70 بالمئة إذا استمر النزاع”.
ووفقا للتقرير، تعيق أسعار الطاقة المرتفعة القدرة التنافسية الأوروبية، إذ تقارب أسعار الكهرباء التي تدفعها شركات الاتحاد الأوروبي ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة، بمتوسط 226 يورو لكل ميغاواط/ ساعة في أوروبا، مقابل 139 يورو في الولايات المتحدة خلال عام 2024.
كما أشار إلى أن أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي كانت أعلى بنحو 3 إلى 5 أضعاف مثيلتها بالولايات المتحدة خلال العام ذاته.
وذكر التقرير أن ارتفاع كلفة الطاقة، دون زيادة موازية في كميات الغاز أو النفط المستورد، يكشف حجم اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الخارجية وما يترتب عليه من ضغوط اقتصادية.
ارتفاع في التكلفة والواردات
وفي 2025، بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة نحو 723 مليون طن، بقيمة 336.7 مليار يورو.
وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، الثلاثاء، إن ارتفاع أسعار الطاقة سيكلف الاتحاد نحو 100 مليار يورو إضافية خلال 2026، رغم عدم زيادة كميات النفط والغاز التي يستوردها.
جاء ذلك في تصريحات أدلى بها يورجنسن على هامش اجتماع وزراء الطاقة في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، يومي 28 و29 سبتمبر/ أيلول الماضي.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار يضر بالمواطنين والصناعة الأوروبية، معتبرا أن الحل يكمن في التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة محليا.
وأضاف: “كنا نعتمد في السابق على روسيا، ولحسن الحظ نحن الآن نتخلص من هذا الاعتماد، لكن مع ذلك لا يزال ارتفاع الأسعار في السوق العالمية يؤثر على الاتحاد”. (ANADOLU)