مئات الحاويات السورية عالقة في مرسين وإسكندرون.. تضاعف أجور الشاحنات و«الأرضيات» يدفع التجار نحو موانئ اللاذقية وطرطوس

تواجه شركات وتجار سوريون منذ أسابيع ضغوطاً متزايدة في عمليات الشحن عبر ميناءي مرسين وإسكندرون في تركيا، نتيجة ارتفاع حركة الترانزيت الإقليمية بعد الحرب مع إيران واضطراب خطوط الشحن في الخليج ومضيق هرمز، ما دفع كميات أكبر من البضائع إلى المرور عبر تركيا برًا وبحرًا. وتؤكد تقارير لوجستية دولية أن الحرب دفعت شركات إلى تحويل جزء من تجارتها عبر تركيا، مع ازدياد الاعتماد على الطرق البرية والترانزيت عبر موانئها.
وبحسب معلومات جمعها «عكس السير» من عاملين في قطاع الشحن والتخليص، أدى هذا التحول إلى ضغط كبير على حركة الحاويات المتجهة إلى سوريا، خصوصًا في مرسين، فيما لجأت بعض شركات الشحن إلى ميناء إسكندرون لتخفيف الضغط. إلا أن المشكلة انتقلت جزئيًا إلى هناك أيضًا، مع استمرار ارتفاع الطلب على الشاحنات وأوقات الانتظار الطويلة.
وتقول مصادر في السوق إن أجور الشاحنات من مرسين وإسكندرون إلى المعابر السورية ارتفعت بنسبة تقارب 100%، وفي بعض الحالات وصلت الزيادة إلى نحو 150% مقارنة بالمستويات السابقة، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف الاستيراد لدى الشركات السورية.
ولا تتوقف الخسائر عند أجور النقل البري. فمع تأخر إخراج الحاويات من الموانئ وانتظار دورها للتحميل والتحرك نحو الحدود، قد تنتهي المدة المجانية التي تمنحها شركات الشحن، والتي تصل في بعض العقود إلى 21 يومًا. وبعد انتهاء هذه المهلة تبدأ رسوم التأخير والتخزين، المعروفة بين التجار باسم «الأرضيات».
وبحسب شهادات من مستوردين سوريين، توجد حاليًا مئات الحاويات السورية التي تنتظر استكمال إجراءاتها أو تأمين شاحنات لنقلها من مرسين وإسكندرون، بينما تصل رسوم التأخير في بعض الحالات إلى نحو 100 دولار يوميًا للحاوية الواحدة، ما يعني أن تأخر الحاوية عشرة أيام إضافية قد يضيف نحو ألف دولار إلى تكلفتها قبل وصولها إلى سوريا.
وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه شركات سورية بإعادة النظر في مسارات الشحن التقليدية. وتشير معلومات من السوق إلى أن عددًا متزايدًا من المستوردين بدأ خلال الأيام الأخيرة تحويل وجهة الحاويات مباشرة إلى ميناءي اللاذقية وطرطوس، رغم أن الشحن البحري إلى الموانئ السورية قد يستغرق وقتًا أطول ويكون سعره الأساسي أعلى من الشحن إلى الموانئ التركية في بعض الخطوط.
لكن المقارنة لم تعد تقتصر على سعر الشحن البحري وحده. فعند إضافة أجور النقل البري المرتفعة من الموانئ التركية، ورسوم الانتظار والتأخير، واحتمال تجاوز المدة المجانية، تصبح كلفة الوصول النهائي إلى المستودع داخل سوريا أعلى بكثير مما يظهر في عرض الشحن الأولي.
وفي هذا السياق، قال مخلّص جمركي يعمل في معبر باب الهوى لـ«عكس السير» إن الإجراءات عبر المعابر البرية كانت في العادة أسهل وأقل كلفة مقارنة ببعض الإجراءات داخل الموانئ السورية، إلا أن المعادلة تغيرت في الأسابيع الأخيرة بسبب الارتفاع الحاد في أجور الشاحنات والازدحام والتأخير في تركيا.
وأضاف أن المستورد السوري بات مطالبًا حاليًا بحساب التكلفة النهائية الكاملة للحاوية، وليس فقط سعر الشحن البحري، مشيرًا إلى أن التحويل المباشر إلى الموانئ السورية قد يكون أكثر جدوى في المرحلة الحالية بالنسبة لعدد من أنواع البضائع.
وتتزامن هذه التحولات مع نمو واضح في نشاط الموانئ السورية. فقد استقبل ميناء اللاذقية وحده 532 سفينة حتى نهاية سبتمبر 2026، وتعامل مع نحو 219 ألف حاوية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وفق بيانات رسمية، فيما تعمل السلطات على زيادة قدرات المناولة وتحديث المعدات.
كما شهد ميناءا اللاذقية وطرطوس انتعاشًا ملحوظًا خلال النصف الأول من العام، إذ تعاملا مع نحو 945 سفينة وما يقارب 8 ملايين طن من البضائع، في مؤشر على عودة الموانئ السورية تدريجيًا إلى لعب دور أكبر في حركة التجارة الإقليمية.
وفي المقابل، تُظهر بيانات تتبع السفن أن زمن انتظار السفن نفسها في مرسين لم يكن مرتفعًا على نحو استثنائي في الأسبوع الأخير، ما يشير إلى أن جزءًا مهمًا من المشكلة التي يواجهها المستوردون السوريون قد يكون مرتبطًا بالساحات البرية، وتوفر الشاحنات، وإجراءات الترانزيت والحدود، وليس فقط انتظار السفن خارج الميناء.
وبالنسبة للتجار السوريين، فإن الأزمة الحالية أعادت فتح نقاش قديم حول جدوى الاعتماد على الموانئ التركية كمحطة وسيطة للبضائع المتجهة إلى سوريا. فالمسار الذي كان لسنوات أسرع وأقل كلفة لم يعد بالضرورة كذلك عندما تُضاف إليه تكاليف النقل البري المرتفعة ورسوم التأخير والمخاطر الناتجة عن الازدحام.