الأناضول: في زمن التكنولوجيا.. حرفي حلبي يصنع حقائبه على مهل

في أحد أحياء حلب التاريخية، يتمسك الحرفي السوري سمير موقّع بصناعة الحقائب الجلدية بيديه، مواصلا مهنة عائلية بدأت عام 1963 وصمدت أمام سنوات الحرب وتحولات السوق.
ورغم تراجع القطاع بفعل الحرب ومنافسة تقنيات التصنيع الحديثة والمنتجات الصينية، تحافظ عائلة موقّع في حي الجديدة التاريخي بمدينة حلب على حرفة صناعة الحقائب الجلدية اليدوية التي انتقلت من الآباء إلى الأبناء، وتحمل كل غرزة فيها أثرًا من العمل اليدوي الدقيق والوقت الذي يستغرقه إنتاجها.
وتُصنع هذه الحقائب الجلدية الخاصة باستخدام تقنيات الحفر والشق، من خلال عمل دقيق يستمر لساعات، بينما يمكن أن تحافظ على أناقتها لسنوات إذا حظيت بالعناية المناسبة.
وألحقت الحرب التي شهدتها البلاد أضرارًا كبيرة بصناعة الحقائب اليدوية في حلب وبقطاع تصديرها، في حين أدى تطور التكنولوجيا والمنافسة الشديدة التي فرضتها المنتجات الصينية إلى تراجع عدد الورش العاملة في هذه الحرفة داخل المدينة إلى نحو 20 ورشة.
يقول موقّع في حديث للأناضول إن والده بدأ هذه الحرفة عام 1963، عندما افتتح أول متجر للعائلة في السوق، موضحًا أن الأشقاء الستة جميعًا تعلموا المهنة من والدهم.
ويضيف أنه بدأ العمل إلى جانب والده وهو لا يزال طفلًا عام 1985، قبل أن يتولى، مع إخوته، مسؤولية المتجر بعد أن ترك والده المهنة عام 1990.
ويوضح موقّع أن الأدوات والأساليب التي يستخدمونها تغيرت مع مرور الوقت، لكنهم يواصلون الإنتاج بعزم للحفاظ على إرث الصناعة التقليدية وإبقاء هذه الحرفة العريقة على قيد الحياة في مواجهة المنتجات المستوردة الرخيصة.
يذكر موقّع أن صناعة الحقائب اليدوية لم تكن في الماضي من المهن المنتشرة في حلب، إذ كانت الحقائب تصل إلى المنطقة من لبنان وأوروبا، قبل أن يبدأ إنتاجها داخل حلب أيضًا في الفترة التي بدأ فيها والده العمل بهذه الحرفة.
ويشير إلى أن الحقائب كانت في الماضي من المنتجات المهمة للنساء والعرائس، ويقول: “كانت الحقيبة موضة في ذلك الوقت. كان لا بد لكل امرأة من امتلاك حقيبة. وعندما كانت العرائس يجهزن جهازهن، كانت الحقيبة أيضًا من الأساسيات”.
ويضيف أن أفراد عائلته عملوا على تطوير المهنة على مر السنين، لكن الحرب أثرت سلبًا في عمليات الإنتاج والتجارة على حد سواء.
وشهدت سوريا حربا بدأت عام 2011 واستمرت نحو 14 عاما، وخلفت دمارا واسعا في البنية التحتية والاقتصاد ونزوح ملايين الأشخاص، وانتهت بسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
يقول موقّع إنهم لا يزالون يعتمدون على العمل اليدوي في جزء كبير من عملية الإنتاج رغم التطور التكنولوجي، موضحًا أنهم يستخدمون في مرحلة قص الحقائب المشرط وأدوات القوالب.
ويشير إلى أن العديد من المنتجين يستخدمون اليوم آلات الضغط والليزر، بينما لا تزال عائلته تنفذ عملية القص يدويًا، وهو ما يطيل مدة الإنتاج.
ويضيف أنه لم يتخل عن مهنته خلال سنوات الحرب، موضحًا أنه اضطر لفترة، مع اشتداد ظروف العمل، إلى الإنتاج في مساحة صغيرة أقامها في حديقة منزله، ويقول: “الحرب أثرت فينا ماديًا ومعنويًا”.
يوضح موقّع أن ورشته كانت تصدر إنتاجها قبل الحرب إلى منطقة جغرافية واسعة، مشيرًا إلى أنها كانت تتلقى خلال تسعينيات القرن الماضي طلبات منتظمة من العراق والأردن، فيما كان تجار من روسيا يأتون شخصيًا إلى حلب، وكانت منتجاتهم تصل أيضًا إلى سوق دبي.
أما اليوم، فيقول إن الإنتاج يتركز بصورة أساسية على السوق المحلية، مشيرًا إلى أن عدم القدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية يمثل إحدى أكبر المشكلات التي تواجههم.
ويضيف: “لو أنتجت اليوم 100 حقيبة ولم أجد من يشتريها، فستبقى كلها لدي. فكيف سأعيش حينها؟ لم يعد هناك تصدير على الإطلاق”.
ويلفت موقّع إلى أن بعض الشباب القادمين من تركيا إلى حلب يزورون ورشته، موضحًا أنهم يبدون دهشة كبيرة عندما يرون أن إنتاج الحقائب لا يزال يتم باستخدام أساليب العمل اليدوي التقليدية.
يؤكد موقّع أنهم لم يتخلوا عن مهنتهم رغم محدودية إمكانات الإنتاج، ويقول: “نكافح قدر استطاعتنا. نواصل العمل حتى نتمكن من تأمين معيشتنا وكسب قوتنا”.
ويلفت النظر إلى أن عدد الورش التي لا تزال تمارس هذه المهنة في حلب تراجع بشكل كبير، وأن السوق فقد الكثير من حيويته السابقة.
وفي نهاية حديثه، يشير إلى أن عائلته مصممة، رغم كل الصعوبات، على مواصلة حرفة صناعة الحقائب اليدوية التي تناقلتها أجيالها على مدى أكثر من 60 عامًا. (ANADOLU)